بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة

لفضيلة الشيخ : أسامة خياط

بتاريخ : 5- 8-1426هـ

وهي بعنوان : فضل العلم

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه،

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً[النساء:1]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران:102]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً[الأحزاب:70، 71]

أمّا بعد:

فيا عبادَ الله، إنّه إذا كانَ العلمُ لدى كثيرٍ من الناسِ قوامَ الحياة وأساسَ النهضات وعمادَ الحضاراتِ ووسيلةَ التقدّم للأفراد والجماعاتِ فإنّه لدَى أُولي الألبابِ مِن عبادِ الرحمن فوقَ ذلك كلِّه؛ طريقٌ يسهِّل الله به دخولَ الجنَّة والحظوةِ فيها بالنّعيم المقيم الذي لا يفنَى ولا يبيد، كما بيَّن ذلك وأرشدَ إليه رسول الهدى صلوات الله وسلامُه عليه بقوله: ((ومَن سلك طريقًا يلتمِس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنّة)) الحديث أخرجَه مسلم في صحيحه وأصحاب السنَن عن أبي هريرة رضي الله عنه.

فهو بذلك سبَب السعادة في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ لأنه كما قال معاذُ بن جبل رضي الله عنه: (معالم الحلال والحرام ومنارُ سبُلِ أهل الجنّة، وهو الأنيسُ في الوحشة والصاحِب في الغربَة والمحدِّث في الخَلوة والدّليلُ على السّرّاء والضراء والسّلاحُ على الأعداء والزَّين عند الأخلاّء، يرفَع الله به أقوامًا فيَجعلهم في الخيرِ قادَةً، تقتَصُّ آثارُهم ويُقتدَى بفِعالهم وينتَهَى إلى رأيهم؛ لأن العِلمَ حياةُ القلوبِ من الجهلِ ومصابيح الأبصارِ من الظّلَم، يبلغ العبدُ بالعلم منازلَ الأخيار والدرجاتِ العُلى في الدنيا والآخرة، به توصَلُ الأرحام، وبه يعرف الحلالُ من الحرام، وهو إمام العمَل، والعمَل تابِعُه، يُلهَمُه السّعداء، ويُحرَمُه الأشقياء) انتهى كلامه رضي الله عنه.

ولذا فليس عَجبًا أن تكونَ أوّل آية نزلت من كتابِ الله تعالى دعوةً إلى التعلم وتعظيمًا لشأن المعرفةِ وتنويهًا بقيمةِ القَلَم والقراءة؛ لأنهما طريقُ الوصول إليه ووسيلة النّهلِ من معينه، حيث قال سبحانه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[العلق:1-5]، وأن ينهوِّهَ سبحانه بفضلِ العلمِ وأهله ورِفعة منزلتِهم وعلوِّ كَعبهم وشرفِ مقامهم ونفيِ المساواةِ بينهم وبين غيرهم حيث قال عزّ اسمه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[الزمر:9]، وأن يجعلَ للعلماء مقامَ الخشيةِ الحقَّة منه؛ لأنّ العلم أرشَدَهم إلى كمالِ قدرته وعظيمِ قوّتِه وبديعِ صِفاته، فزادَهم ذلك هيبةً منه وإجلالاً له، فقال عزّ مِن قائل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[فاطر:28]، وأن يشبِّهَ العالمَ بالبصير والجاهلَ بالأعمى والأصمِّ، وأن يشبِّه كذلك العلمَ والإيمان بالنّور والجهلَ والكفرَ بالظلمات، ويَنفيَ المساواةَ بينهما كما تنتفي المساواةُ بين الظلِّ الذي يُنتَفَع به والحرورِ الذي يتضرَّرُ به، وكما لا يستوي الأحياءُ بنور العلمِ والإيمان ولا الأموات الذين نَسُوا الله وأعرَضوا عن نوره، فأمَات قلوبهم، فهِي لذلك لا تتأثَّر بموعِظَةٍ ولا تستجيب لداعي الهدى، فقال عزّ وجلّ: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ[هود:24]، وقال سبحانه: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ  وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ  وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ  وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ[فاطر:19-22]، وأن يقرِنَ ذكرَ أهلِ العلم بذِكر الملائكة في شهادتهم بالوَحدانيّة لله تعالى باستيقانِهم أنّه لا معبودَ بحقّ إلا الله، فعبدوه حقَّ العبادة، ونفَوا عنه الشّركاءَ، فقال جلّ وعلا: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[آل عمران:18].

وفي سنّةِ رسولِ الله  ـ يا عبادَ الله ـ مِن هذا البابِ ما لا يكاد يستوعِبه الحَصر، فمن ذلك ما أخرجه الترمذيّ في جامعه بإسنادٍ صحيح عن أبي أمامةَ الباهليّ رضي الله عنه أنه قال: ذكِرَ لِرسول الله  رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((فضل العالمِ على العابد كفضلِي على أدناكم))، ثم قال رسول الله : ((إنَّ الله وملائكتَه وأهل السموات والأرضِ حتى النّملَة في جحرِها وحتى الحوتَ ليصلّون على معلّمِ الناس الخير)).

وإنّه لفضل قد بلَغ الغايةَ، ولِم لا يكون كذلك وقد بيَّن رسول الله  أنَّ العلماء هم ورثة الأنبياء حقًّا، لأنّ الميراثَ الذي تركه الأنبياء هو العِلم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((من سَلك طريقًا يلتمِس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنّة، وإنّ الملائكة لتضَع أجنحتَها لطالب العِلم رضًا بما يصنع، وإنَّ العالم ليستغفِر له من في السموات ومن في الأرض والحيتانُ في جوف الماء، وإن فضلَ العالم على العابِد كفضلِ القمر ليلةَ البدر على سائرِ الكواكب، وإنَّ العلماءَ ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر)) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم وابن حبان في صحيحه والبيهقي في شعَب الإيمان بإسنادٍ حسن.

وأخرجَ الطبرانيّ في معجَمه الأوسط بإسنادٍ حسن عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّه مرّ بسوق المدينة فوقَف عليها فقال: يا أهلَ السّوق، ما أعجزكم! قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟! قال رضي الله عنه: ذاك ميراثُ رسول الله  يقسَم وأنتم ها هنا! ألا تذهبون فتأخذون نصيبَكم منه؟! قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد، فخرجوا سِراعًا ووقف لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة، قد أتَينا المسجدَ فدخلنا فيه فلَم نرَ فيه شيئًا يقسَم، قال أبو هريرةَ: وما رأيتم في المسجد أحدًا؟! قالوا: بلَى، رأينا قومًا يصلّون وقومًا يقرؤون القرآنَ وقومًا يتذاكَرون الحلالَ والحرام، فقال أبو هريرةَ رضي الله عنه: ويحكم! فذاك ميراثُ محمّد .

وأخبر علَيه الصلاة والسلام أنَّ العلم النافِع هو أحدُ ثلاثِ خصال يستمِرّ ثوابُها موصولاً لصاحبها فلا ينقطِع بموته، فقال: ((إذا مات ابن آدَم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية أو عِلم ينتَفَع به أو ولدٍ صالح يدعو له)) أخرجه مسلم في صحيحه، إلى غير ذلك من نصوصِ الوحيَين الدالّةِ على فضلِ العِلم وأهلِه وشَرفِ منازلهم وكريمِ مآلهم؛ ممّا كان له أعظمُ الآثار وأعمَقها في نفوسِ السّلف الصالح رضوان الله عليهم، فهذا الإمام محمّد بن شهاب الزهريّ يقول: "لأَن أجلِس ساعةً فأتفقَّه أحبُّ إليَّ من أن أحيِيَ ليلةً إلى الصباح"، ويقول مصعب بن الزّبير رحمه الله لابنه: "تعلَّم العلمَ، فإن [كان] لك مالٌ كان لك جمالاً، وإن لم يكن لك مالٌ كان لك مالاً"، ويقول عبد الملك بن مروان رحمَه الله لبنيه: "يا بَنيَّ، تعلَّموا العِلم، فإن كنتُم سادَةً فُقتُم، وإن كنتم أوساطًا سُدتُم، وإن كنت سوقةً عِشتم".

أفلا يجدُر إذًا بكلّ طالبِ عِلم وبكلّ آخذٍ منه بطرَف وبكلِّ ضارِبٍ فيه بسَهم أن يكونَ له في الإقبالِ عليه عَزمٌ ماضٍ لا ينثَني، وأن تكونَ له في طلَبه وفي الاشتِغال به نيّة خالصةٌ ومقصود حسَن؛ بأن يبتَغِي به وجهَ ربِّه الأعلى، لا ليصيبَ به عرضًا من الدّنيا، ولا ليباهي به العلماءَ أو يماريَ به السّفهاء أو ليصرفَ به وجوهَ الناس، وأن يذكرَ أنه إذا كان المؤمن القويُّ خيرًا وأحبَّ إلى الله من المؤمن الضعيفِ فإنَّ من القوّة المحبوبة عند الله تعالى قوّةَ المسلم في علمِه وعمَلِه المتمثلةَ في كمال المحبّة لهذا العلم ودَوام المدارسةِ له والاستكثارِ مِن البَحث في دقائقِه والكشفِ عن غوامِضه والاستعانة على التمكُّن من أزمَّتِه بالعمَلِ به وتعليمه. ولا ريب أنّ قوّةَ المسلم ـ يا عبادَ الله ـ هي قوّة لأمّته، وأنّ كلَّ ما يحرِزه من تفوّق أو يصيبه من نجاحٍ أو يبلغه من توفيقٍ عائدٌ أثرُه عليها لا محالة.

فاتقوا الله عبادَ الله، واحرِصوا على العنايةِ بهذا العلم وبذلِ أسباب التمكُّن منه ورعايةِ حقِّه بالإخلاص لله تعالى في طلبِه وتحمُّله وفي تعلّمه وإشاعته وبالعمَل بما يقتضيه، فإنَّ العِلمَ هو ثمرة العمَل وعمادُ الانتِفاع به ومبَعَث الرّفعةِ التي ذكرها الله بقوله: يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[المجادلة:11].

نفعَني الله وإيّاكم بهَديِ كتابِه وبسنّة نبيِّه ، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليلَ لي ولكم ولسائِر المسلِمين من كلّ ذنبٍ فاستغفِروه، إنّه هو الغفور الرّحيم.

 

الخطبة الثانية:

إنَّ الحمدَ لله، نحمَده ونَستعِينه ونَستَغفِره، ونَعوذُ بالله مِن شرورِ أنفسِنا وسيِّئات أعمَالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادِيَ له، وأشهَد أن لاَ إلهَ إلاَّ الله وَحدَه لا شَريكَ له، وأَشهَد أنَّ محمّدًا عبده ورسوله، اللّهمّ صلّ وسلّم عليه وعلى آله صحبِه.

أما بعد: فيا عبادَ الله، إنّه وإن كانَ المرادُ بالعلم الميراثَ النبويَّ ألا وهو عِلم الكتاب والسنّة وما له تعلُّق بهما إلاَّ أنَّ الحقَّ أنه شامِلٌ أيضًا لكلِّ عِلمٍ تنتفع به الأمّة ويعلو به قدرُها ويعزّ به جانِبها ويكثر به خيرُها ويطَّرِد به تقدُّمُها وتأخذ به مكانَها بين الأمَم ويكون سببًا لرَسمِ الصورة الصحيحة الحقَّة لهذا الدين في رَبطِه بين الدِّين والدنيا وسعيِه بكافَّة شعائره وشرائِعِه لتحقيق السعادَةِ للمسلم في الحياتَين، ولأنَّ في العناية بعلوم الحياةِ على اختلافِ ألوانها عنايةً بعلوم الكتاب والسنّةِ ببيان جملةٍ وافرة من معانِيهِما بالاستعانةِ بما تقدِّمُه تلك العلومُ من فوائدَ وقواعد وما توفِّره من وسائلَ وما تستنِد إليه من كشوف ومخترعات؛ ولذا عدَّ بعضُ أهل العِلم تقصيرَ الأمّة المسلمة في علومِ الحياة المختلفة تقصيرًا شائِنًا بحقِّ دينِها وكتابها وسنّة نبيِّها  في آخر الأمر؛ لذا كان لِزامًا عليها سدُّ هذه الثَغرة ورَدم هذه الفَجوة وتلافي هذا التقصيرِ.

فاتّقوا الله عبادَ الله، واحرِصوا على الاشتغال بكلِّ علمٍ نافع وكلّ عمل صالح تبلغون به رضوانَ الله.

واذكُروا على الدَّوَام أنَّ الله تعالى قَد أمَرَكم بالصّلاة والسَّلامِ على خاتَمِ النبيّين وإمامِ المتّقين ورحمةِ الله للعالمِين، فقال سبحانه في الكتابِ المبين: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب:56].

اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم عَلى عبدِك ورسولِك محمّد، وارضَ اللّهمَّ عن خلفائه الأربعة...