بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة

لفضيلة الشيخ : عبدالرحمن السديس

بتاريخ : 13- 10-1425هـ

وهي بعنوان : دعوة للحسنى

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، سبحانه وبحمده، لا يبلغ مدحته المادحون، ولا ينال من عظمته القادحون، ولا يحصي نعماءه العادّون، ولا يحصر آلاءه الحاسبون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد كله وله الشكر كله، وإليه يرجع الأمر كله، علانيته وسره، هو المستعان، ومنه الفرج، وإليه المشتكى، وعليه البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، الهادي البشير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وكل تابعٍ مستنير، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المرجع والمصير، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنَّ خير ما وصّى به الموصون ووعظ به الواعِظون تقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[الحشر:18].

أيها المسلمون، نسائم الطاعاتِ وعَبَق العبادات وشذَى القُرُبات يترك أثرًا زاكيًا في حياة المسلمين والمسلمات، ولعلّ من أهمِّ ما يتركه شهرُ الصيام المبارَك من نفحاتٍ وتجلِّيات ومناسباتُ العيد السعيدِ من إشراقات وجماليات في حياةِ الأمّة هو ذلك الأثر الإيجابيّ المتمثِّلُ في شيوع مظاهر المودّة والإخاءِ والمحبة والصفَاء والتواصُل والهناء، في تجافٍ عن مسالِك النُّفرة والجفاءِ بين أبناءِ المجتمع، مما ينبغي أن يتجاوزَ الحدود الزمانيّة والآنيّة، ويسلكَ مَسلك الديمومةِ والاستمرارية، ذلكم ـ يا رعاكم الله ـ لأنّ قمّةَ التعامل الإنساني وسمو العلاقات الاجتماعية ركيزةٌ من ركائز بناءِ المجتمع الإسلاميّ المتميّز بالقوّة والتماسك، لاسيما أمام نزعةِ المادّيات وفي عصرِ الأزمات والمتغيِّرات.

معاشرَ المسلمين، إنّ المتأمّلَ في حلائبِ العلاقات الاجتماعيّة وميادين التعامُل بين الناس يهُوله ما يرَى من تفشِّي مظاهرِ التقاطع والتدابر والنُّفرة والتهاجُر وانتشار لوثات التعالي والجفاءِ والتباغُض والشّحناء في هوًى مُطاع وشُحٍّ متَّبع وإعجابِ كلِّ ذي رأيٍ برأيه ورفعٍ لراية الشائِعات المغرِضة والأخبار المكذوبةِ الملفَّقة وتلمُّس العيوبِ للبُرَآء وتضخيم الهِنات للعُلماء وتتبُّع المثالِب للصّلَحاء وانتقاص مقامَات الفضَلاء النّبلاء، حتى إنّ الغيورَ لينتابه شعورٌ بالإحباط وهو يرَى هذه المظاهرَ السوداويّة القاتمة تنتشِر في دنيا الناسِ انتشارَ النار في الهشيم، فلا يستطيع لها تفسيرًا، ولا يجدُ لها مساغًا أو تبريرًا.

يكون شمعةً يُحرق نفسَه ليضيء للآخرين، ومع ذلك يجِد أنّ هناك لصوصًا يتمسّحون بالأجواخ ويتسلّقون على الأكتاف للوصول إلى مآربهم الشخصيّة ومصالحهم الذاتيّة ومطامعهم المادّية، دونَ وازعٍ من دينٍ أو خُلق أو ضمير، مَرَدوا على الأحابيلِ والدنايا، ودأبوا على المكرِ وسوء النوايا، لا يتلذّذون إلا بالنيل من الطامحين والإساءةِ للناجحين والثّلبِ في الصالحين والتقليل من شأنِ العاملين وتنفير الناس منهم والعمَل على الإساءة إليهم والوقيعة بهم، بتلفيق الطعونِ والاتهامات ونشرِ الأراجيف والشائعاتِ، في حروبٍ اجتماعية طاحِنة وضغوطٍ نفسيّة قاتلة، ومِن نكدِ الدنيا على المرءِ أن يرَى أمثالَ هؤلاء النّشاز في أسرتِه ومجتمَعه وأهلِه وأقارِبه وجيرانه وزملاءِ عمله، مطيّتُهم سوءُ الظنّ، وقاموسهم الأذَى والمنّ، بل يصِل الأمر إلى ذِروة خطورتِه حينما تُستغلّ الأبواق الناعِقة في بعضِ وسائل الإعلام وقنَوات الفضاء وشبكاتِ المعلومات لنشر الأكاذيبِ المغرضة والدعايات المضلِّلة، لتصطبِغ مع كثرةِ اللَّسَن والأطروحات وتَكرار العَرض في المجالِس والمندَياتِ على أنها حقائقُ ثابتةٌ لا تقبَل الجدَل ولا المساومةَ، وما هي إلا شائعاتٌ مغرِضة، كسرابٍ بقِيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.

ومِن عجيبِ الأمر ـ يا رَعاكم الله ـ مسارعةُ كثيرٍ من الدهماء إلى تصديقِ هؤلاء كضَربة لازِب، بل إنّك تستغرِب حالَ كثيرٍ ممّن يروِّجون فتنةَ القول على عواهنه، ولا ينتهي عجبُك وأنت ترَى أنّ بعضَهم قد يُشار إليه بعلمٍ أو فضلٍ أو صَلاح أو مَكانة، وكأنها لم تطرُق أسماعَهم آيةُ الحُجرات المدوِّية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا[الحجرات: 6]، وفي قراءة حمزة والكسائي: فَتَثَبَّتُوا، وقوله  في الحديث الصحيح عند مسلم وغيره: ((كفى بالمرء كذِبًا أن يُحدِّث بكل ما سمِع))، ورحِم الله شيخَ الإسلام ابن تيمية حيث يقول: "حتى إنَّ الرجل ليُشار إليه بالزّهد والدينِ والعِبادة ولسانُه يفري في لحومِ الأحياءِ والأموات، وهو لا يبالي بما يقول"، بل إنّ منهم من لا يتورَّع عن التدخُّل في خصوصيّات الآخرين؛ في أموالهم وأولادهم ومواقفهم، والاستماتة في استمالتهم إلى ما يريدون من حيثُ لا يريدون، وإلاّ فسيوضَعون تحت مِطرقة الشائعات وسِندان الاتهامات وعلى مِشرحةِ الطعون والافتراءات، حتى إنّك لتحسُّ أنك بقيتَ في خلَفٍ يزيِّن بعضهم بعضًا ليدفَعَ مُعوِرٌ عن مُعوِرِ. فيا هذا، دعِ الخلقَ للخلاّق تسلَم وتغنم، والله المستعان.

إخوةَ الإيمان، وفي أَتون هذه المظاهرِ القاتمة ينبغي أن تُعلَى راياتُ المنهَج الأخلاقي المتميّز الذي ينضح بنُبل الشمائل والخِلال وعريقِ السجايا والخِصال، إنصافٌ لا اعتِساف، ائتلاف لا اختِلاف، تناصحٌ لا تفاضُح، تسامح لا تناطُح، صفاءٌ لا جفاء، تناصُر لا تنافر، تجاوُر لا تناحر، تناظُم لا تصادم، اتِّفاق لا افتِراق، اعتصامٌ لا خِصام، اجتماع لا نِزاع.

ولتحقيقِ تلك الشمائلِ المثلى والسجايا العُليا يجِب أن يتربّى الناسُ لاسيما الأجيال على قَرن العلم بالأدَب، فالعِلم ما لم تكتنِفه شمائل تُعليه صارَ مطيّة الإخفاق، يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كان الناس يتعلَّمون الأدبَ قبل العلم، أمّا اليوم فقد جحَد الناس الأدبَ، ويقول بعض السلف: "نحن إلى قليل من الأدَب أحوجُ منا إلى كثيرٍ من العلم"، ويقول عبد الله بن وهب رحمه الله: "ما تعلَّمنا من أدبِ مالكٍ أكثرُ مما تعلّمنا من علمه".

كما يجب أن يتربَّى الناسُ على حسنِ الظنّ بالمسلمين، لاسيما خاصتُهم من أهل العلم وحمَلة الشريعة؛ لأنّ الطعن فيهم أمرٌ خطير جَللٌ، وصاحبه معرَّضٌ للخطَل والزّلل، حيث لا يراعِي إلا موضعَ العِلَل، ولما فيه من ذهاب هيبةِ العلماء والإزراءِ بعظيم حرمَتهم وجليلِ قدرهم وعلوِّ مكانتهم وتجرُّؤ السفهاء على مقاماتهم وفتح البابِ للمغرضين والمتربِّصين بالعلم وأهلِه، لذلك ربَّى الإسلام أتباعه على حُسن الظنّ والتحذير من الظنون السيِّئة بالمسلمين، يقول الحقّ تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ[الحجرات:12]، وفي الصحيح أنّ رسول الله  قال: ((إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنَّ أكذبُ الحديث))، وعند البيهقيّ وغيره: ((إنّ الله حرّم دمَ المسلمِ وعِرضَه وأن يُظَنَّ به ظنّ السّوء))، ويقول الشافعيّ رحمه الله: "من أراد أن يقضيَ الله له بخيرٍ فليحسِن ظنَّه بالناس".

إذًا فالأصل ـ يا رعاكم الله ـ حسنُ الظنّ بالمسلمين وحملُ أقوالهم وأفعالهم وتصرّفاتهم على أحسنِ المحامل، بل ينبغِي التماسُ العذر لهم وإن أخطؤوا باجتهادٍ أو تأويل سائِغ، يقول عمر رضي الله عنه: (لا تظنَّن بكلمةٍ خرجت من أخيك المؤمِن شرًّا وأنت تجِد لها في الخير محملاً)، ويقول عبد الله بن المبارك رحمه الله: "المؤِمن يلتمِس المعاذير، والمنافِق يتتبّع الزلاتِ". والأخطر من ذلك حينما ينصِّب المرءُ نفسه رقيبًا على نيات الآخرين حاكمًا على قلوبهم ومقاصدهم، غيرَ متورِّع عن رميهم بالفواقر والعظائم وطعنِهم في الغلاصم بالقواصِم دونَ أعذارٍ أو عواصِم، يلغ في أعراضِهم وَلغًا، ويفري فيهم فريًا، وإنك لواجدٌ ذلك في حياةِ الناس عجبًا. فسبحان الله عباد الله! ماذا يبقى للأمّة إذا طُعِن في علمائها وصلَحائها وإذا نيل من فضلائها ونبَلائها؟!

وإنّ من بالغِ الخطورة أن تُعقَدَ المجالس والمنتدياتُ، يحضُرها العشراتُ والمئات، وينبرِي فيها دعيٌّ متحذلِق مأفون، فيُطلِق لسانَه في أهل العلم والصّلاح ذمًّا وثَلمًا، والناس منصِتون ساكتون، خشَّعًا أبصارهم، يأخذونَ ذلك مأخذَ القَبول والرضا، بل والفرحِ والتشفِّي، بل وسلَّموا تسليمًا.

أهكذا ربى الإسلامُ أتباعَه؟! أينَ الذبُّ عن أعراضِ المسلمين والحِفاظُ على سمعةِ الفضلاء الصّالحين؟! إنّ الذبَّ عن أعراضِ المسلمين ـ لا سيّما علماؤهم وصُلحاؤهم ـ فريضةٌ باتت مطويّةً غيرَ مرويّة، وسنّةٌ أصبحت مهجورةً منسيّة، ألم يقلِ المصطفى  فيما أخرجه أحمد والترمذيّ من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: ((من ردَّ عن عِرض أخيه ردّ الله عن وجهه النار يوم القيامة))، وفي رواية ابن أبي شيبة: ((وقاه الله لفحَ النار يومَ القيامة))؟!

فيا لله، كم يزهد في هذا كثيرٌ من الناس ممّن يتلذَّذون بالتفكُّه في الأعراضِ ويشتهون، بل ويتشفَّون في ذلك، فالله حسبهم وطليبهم.

إنّ من الشجاعةِ الأدبية أن يأخذَ المسلمون أنفسَهم بمنهَج الذبّ عن أعراض إخوانهم أمامَ خناجر المتربِّصين وسِهام المتشفِّين المغرِضين، حينذاك لا يجِد هذا الورم الخبيثُ انتشارًا في جسَد أبناء هذه الأمة، ولا يقيم هذا الداء العُضال له فُسطاطًا في مجتمع المسلمين.

أمّةَ الإسلام، تلك الملامِح المهمَّة للحفاظ على سفينةِ الأمّة من تيّارات الفِتن وأعاصير المحَن، فما جوبهَت تلك النوازلُ والمستجدّات وعولِجَت تلك التقلّبات والمتغيِّرات بمثل الاجتماعِ والائتلاف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أنواعِ الفساد التي يسبِّبها التفرُّق والاختلافُ المخالفُ للاجتماع والائتلاف: "حتى يصيرَ بعضهم يبغِض بعضًا ويعاديه ويحبّ بعضًا ويواليه على غير ذات الله، وحتى يفضيَ الأمر ببعضِهم إلى الطّعن واللعن والهمزِ واللّمز، وببعضهم إلى الاقتتالِ بالأيدي والسلاح، وببعضهم إلى المجاهدةِ والمقاطعة، حتى لا يصلّي بعضهم خَلف بعض، وهذا كلُّه من أعظمِ الأمور التي حرَّمها الله ورسوله"، وقال رحمه الله: "وبلادُ المشرق من سبَب تسليطِ الله التَّتر عليها كثرةُ التفرّق والفتَن بينهم في المذاهبِ وغيرها، وكلُّ هؤلاء المتعصّبين بالباطل المتّبعين للظنّ وما تهوى الأنفس والمتّعبين لأهوائهم بغيرِ هدًى من الله مستحقّون للذمّ والعقاب، فإنّ الاعتصامَ بالجماعة والائتلاف من أصول الدين" انتهى كلامه رحمه الله.

يقال ذلك ـ أيها المسلمون ـ في الوقت الذي تكتوِي فيه أمّتنا بجراحاتٍ ونكبات تتبايَن من خلالها المواقفُ والتحليلات، وينتُج من ذلك خلافاتٌ بل وخصومات، وأمّة الإسلام في هذا المنعطَف الخطير أحوجُ ما تكون إلى اتِّحادِ المواقف واجتماع الكلِمة ووحدة الصّفوف وتضييعِ الفرَص على الطّامعين والمتربِّصين. إنّ كلَّ غيورٍ يؤلِمه ما آل إليه الحالُ على ثرَى فلسطين والأقصى، وما تعيشه أرضُ العراق وبلادُ الرافدين من مآسٍ وفواجع لم تسلَم منها حتى بيوتُ الله وأماكِن العبادة، فبأيّ حقٍّ يُقتَل الآلاف من الرّجال، بل النساء والأطفال، وتحدث المجازرُ، وتُدمَّر المساكن، وتُداس الأرض، ويُنتهك العِرض؟! ألا فسلامُ الله على فلّوجةِ الصمود والعِِزِّ والشموخ التي ستنفلِج دونها بإذن الله ثم بصمودِ أبطالها فُلولُ الاحتلال مهما تشدَّقت بالحرّية ومراعاةِ حقوق الإنسان. فصبرًا صبرًا إخوانَنا في العراق، ولكم الله يا أحبّتنا في بلاد الرافدين، فهو سبحانه المؤمَّل لكشف كربَتكم وتفريجِ غمّتكم في زمنٍ قلّ فيه النّاصر والمعين، وطال فيه ليلُ الغاشمين المحتلِّين، ولن يفلتَ هؤلاء من سجِلِّ التأريخ، ولن يفرزَ ذلك إلا كراهية الشعوبِ وسَخط علاّم الغيوب، غيرَ أنّ ذلك كلَّه ليس تأجيجًا للعواطف، ولا انسياقًا وراءَ حماسةٍ وعواصف، وإنما هي دعوةٌ لاتِّحاد البيانات والمواقِف، والحذر ـ أيّها المحبّون ـ من فتنة القول والعمَل، واتِّهام النفوس وإلجامها أن تقول على الله بغير عِلم، أو تخوضَ في النوازلِ بالتوقيع عن ربّ العالمين ببيانٍ أو فتوى لم يُنظَر في آثارها ومآلاتها ومصالحها وأولويّاتها، أو تُقحَم فريضةٌ هي ذِروة سنام الإسلام بلا رايةٍ ولا إمام في مواقِفَ عاطفيةٍ دونَ فقهٍ لمقاصدِها ورعايةٍ لضوابطها وتحقُّق لشروطها وانتفاءٍ لموانعها.

ألا ما أحوجَ طلاّبَ العلم في النوازلِ أن يوَلّوا حارّها من تولّى قارَّها، وأن يحذَروا من المنافذِ التي يتسلَّل منها المتربِّصون وينفذ منها الانتهازيّون النفعيّون المغرِضون، مع احترامِ رأي المجتهدِين وحسنِ الظنِّ بهم والتماس العذرِ لهم والذبِّ عن أعراضهم، ردًّا للعجُز إلى الصّدر، وبناءً للنتائِج على المقدِّمات، غيرَ أنّ مصالحَ المسلمين العامّة ـ يا محبّ ـ واجتماعَ قلوبهم وتوحيدَ مرجعيّتهم في النوازل وعدمَ الافتياتِ عليها هو الأولى بالرّعاية والعنايةِ والاهتمام، وبه تتحقَّق أعلى المصلحَتَين وتُدرَأ أعظمُ المفسدتين.

واللهُ المسؤول بمنِّه وكرمه أن ينصرَ دينَه ويُعليَ كلمته ويجمَعَ كلمة المسلمين على الحقّ ويُصلحَ أحوالهم، إنه خير مسؤول وأكرَم مأمول.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كلّ ذنب فاستغفروه، إنّه كان حليمًا غفورًا.

 

الخطبة الثانية:

المحمودُ الله جلّ جلاله، والمصلَّى والمسلَّم عليه محمّد وصحبُه وآله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ نبيّنا محمّدًا عبده ومصطفاه، صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدَى بهداه.

أمّا بعد: فاتقوا الله عبادَ الله، واعلموا أنّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمّد رسول الله، وشر الأمورِ محدثاتها، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بالجماعة، فإنّ يد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذَّ في النار.

أيّها الإخوة في الله، إنّ من الوسائل المهمّةِ في الحفاظ على صفاءِ المجتمع واجتماعِ وتآلف ذويهِ وانتظام عِقدِ أنبائه أن تتربَّى النفوسُ على العَدل في المواقِفِ والإنصاف من المخالف، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[المائدة: 8].

فالأمّة أحوجُ ما تكون إلى إبرازِ هذه الخلَّة القويمة، حفظًا لبيضةِ الدّيانة، وإقامةً لأَودِ الشريعة، وذبًّا عن حرماتِ المسلمين خاصّتهم وعامّتِهم، وأخذًا بحُجَز الإخوةِ والمحبِّين، وسدًّا لباب الشانِئين المغرضين. ومِنَ المعلوم أنَّ الإنصافَ نفيس وعَزيز، حتى ليكادُ نجمُه أن يأفلَ في دنيا الناس، فهذا الإمام الذهبيّ رحمه الله يشكو قلّةَ الإنصافِ في زمانه فيقول: "لقد صِرنا في وقتٍ لا يكاد الشّخصُ يقدر على النّطق بالإنصاف، نسأل الله السلامة، ولم تزَل قلّة الإنصاف قاطعةً بين الرجال وإن كانوا ذوي رحِم، وإن طُوي بِساط النَّصف وتطاوَل أهلُ السّفهِ والصَّلف استوى المحسِن والمسيء، والمحِقُّ والمبِطل، والظالم والمظلومُ، والبشَر مجبولون على الانسياقِ وراء رغباتِ نفوسهم والسّعي إلى مصالحها ولو على حسابِ النّصَف من الآخرين، يقول داود بن يزيد: سمعت الشعبيَّ رحمه الله يقول: والله، لو أصبتُ تسعًا وتسعين مرّةً وأخطأتُ مرّة لعدّوا عليَّ تلك الواحدة".

وطريقُ السلامة من ذلك هو التمسّك بالكتاب والسنّة وعِفّة اللسان وسلامةُ الصدور ولزومُ الجماعة وفقهُ أدَبِ الخلاف والدّعاء الدّعاء.

أمّا من تعرّضوا للنّيل والشّائعات واكتوَوا بنار الأكاذيبِ والافتراءات فليهنَؤوا بذلك ولا يضجَروا، وليعلَموا أنّ ذلك طريق المرسَلين والأنبياء، وأنّ المسلمَ عرضةٌ للامتحان والابتلاء، لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ[النور:11]، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ[النور:12]. مع أخذِ النفوس بالصّلاح والإصلاحِ والدّفع بالتي هي أحسن، يقول ابن الحنفيّة رحمه الله: "ليس بحكيمٍ من لم يعاشِر بمعروفٍ مَن لا يجِد من معاشرتِه بدّ، حتى يجعلَ الله له فرَجًا ومخرجًا".

وإن بُليـتَ بقـومٍ لا خلاقَ لهــم     إلى مداراتهم تدعو الضروراتُ

فقل يا ربِّ لطفَك قد مال الزّمان بنا     مِن كلِّ وجـهٍ وأبلتنـا البليَّاتُ

ثم لا بدَّ من ترويضِ النفوسِ على الصّبر والتحمُّل مع الثقةِ بالله وتغليبِ مشاعر التفاؤل، فلا تُرمَى بالحجارةِ إلا الشجرةُ المثمِرة.

ألا ما أحوجَ المحبَّ إلى الثقةِ بالنفس والاعتدالِ في الرأي وتنسيقِ المواقف مع الحذَر من اليأسِ والقنوط، فلا يبقى في النّهايةِ إلا الحقّ، ولا يصحّ إلا الصّحيح، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ[الرعد:17]، وكم من أمثالِ هذه النوابِتِ والنتوءات واصَلت إضرارها بالبُرآء، فكانت نهايتُها سقوطًا مدوِّيًا وفشَلا ذريعًا، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ[فاطر:43].

ولنحذَر من تعميمِ الأحكام وإطلاقِها جُزافًا على الأنام، فلا يزال الخيرُ في هذه الأمة إلى قيامِ الساعة، فلهذا كُن دائمًا إيجابيًّا متفائلاً وإن ذُقتَ المواقفَ المحرِقة، فالعاقبَة جميلة ومشرِقة، والعاقبة الماتعة في المواقفِ اللاّمعة.

احذَر ـ يا رعاكَ الله ـ أن تبادرَ بسوء ظنٍّ أو ندِّ فَهم، واحمِل أخاك ـ يا رعاك الله ـ أخيرًا على أحسنِ المحامِل، ومن ذبَّ عن عِرض أخيه ذبَّ الله عن عِرضه النارَ يومَ القيامة، وتلك رسالةُ الإسلام في المحبّةِ والمودَّة والسّلام والتّسامُح والصّفاء والوِئام، وهي رسالةٌ إلى العَالم بأسرِه ليعيَ الوجهَ المشرِق في هذا الدِّين، وما يحمِله للإنسانيّة من خيرٍ وأمان، وما يدعو إليه من أمنٍ واطمئنان، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ[يوسف:21].

ألا وصلّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على النبيِّ المصطفى والرسول المجتبى والحبيبِ المرتضى، كما أمركم بذلك ربّكم جلّ وعلا، فقال تعالى قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب: 56].

اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على سيِّد الأوّلين والآخرين وأشرفِ الأنبياء والمرسلين نبيِّنا محمّد بن عبد الله، وعلى آله الطيِّبين الطاهرين...