بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة

لفضيلة الشيخ : أسامة خياط

بتاريخ : 6- 5-1422هـ

والتي تحدث فيها فضيلته عن : المستقبل للإسلام

 

الحمد لله الذي أكرم الأمة وأعزها بالإسلام، أحمده سبحانه كتب الغلبة والظهور لدينه ما تعاقبت الليالي والأيام.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرشد الخلائق إلى طريق الجنة دار السلام، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الأئمة المتقين الأبرار الأعلام.

أما بعد:

فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى فإن تقوى الله تعالى خير زاد، وأرجى سبيل للسلامة من حسرة يوم الحسرة، ومن الندم يوم لا يغني ولا ينفع ندم.

أيها المسلمون: حين ينعكس الوضع، وتنتكس الفطر، وتلتاق العقول، وتضطرب الأفهام؛ يحسب كثير من أصحاب الفرق الهالكة، والمذاهب الضالة، والأديان الباطلة أنهم على شيء، وأن العاقبة والمستقبل لهم من دون الناس.

لكن الذي لا يرتاب فيه أولو الألباب، والذي يستيقنه ألو النهى؛ أن المستقبل كله لهذا الدين، وأن الظهور والغلبة له وحده؛ هذا الدين الحق الذي أكمله الله لعباده، وأتم عليهم به النعمة، ورضيه لهم دينا، كما قال سبحانه: ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً [المائدة:3].

ولا عجب -أيها الأخوة- أن تكون لهذا الدين هذه العاقبة المحمودة، والمآل الكريم؛ فإن مزاياه ومحامده لا تكاد تقع تحت الحصر، ولا يكاد يحيط بها القول أو يستوعبها البيان.

فالمستقبل للإسلام؛ لأنه الدين الذي رفع الله به قدر الإنسان وكرمه وشرفه، حين أخبر سبحانه في أصدق الحديث وأشرف القيل ومحكم التنزيل أنه خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، ثم حين شرفه بعبادته وحده دون سواه من المعبودات الباطلة؛ إذ لا معبود بحق إلا الله تعالى تقدست ذاته وأسماؤه وصفاته، وجل سبحانه عن الأنداد والأمثال، وحين سخر له ما في السموات وما في الأرض من نعمه التي لا تحصى، ومننه التي لا تنسى.

والمستقبل للإسلام؛ لأنه الدين الذي اتسمت رسالته بالحنيفية السمحة الموافقة للفطر السليمة والعقول القويمة، التي تجلت فيما أحل الله لعباده من الطيبات النافعات في الدين والدنيا، وما حرم عليها من الخبائث الضارة بالدين والدنيا، وتجلت أيضاً في رفع الآصار والأغلال التي كانت على من سبق هذه الأمة المسلمة من أمم، وهي -أي الآصار والأغلال- كل ما يثقل على المرء من الأقوال والأفعال، ، وما كان عليهم من التشديد في الدين، كإيجاب قتل النفس في التوبة، وقطع الأعضاء الملوثة بأرجاس الخطايا، وقرض النجاسة من الثياب بالمقراض وما في معناه، وتعين القصاص في القتل وتحريم الأخذ بالدية، وتحريم الأكل من الغنائم، وأمثال ذلك مما رفعه الله عن هذه الأمة برحمته وكرمه وإحسانه، كما قال سبحانه: ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلامّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلاْغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157].

والمستقبل للإسلام؛ لأنه الدين الذي أرسى به الله أسس ومقومات النظام الاجتماعي المترابط ترابط البنيان يشد بعضه بعضاً، ذلك المجتمع الفذ الذي صور واقعه أبلغ تصوير الخطاب النبوي الكريم في الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- أن رسول الله  قال: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)).

وكما جاء في الصحيحين أيضاً عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول الله  قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)).

والمستقبل للإسلام؛ لأنه الدين الذي أرسى الله به قواعد العدالة بين الخلق مسلمهم وكافرهم، عربيهم وأعجميهم، أسودهم وأبيضهم، ذكرهم وأنثاهم، صغيرهم وكبيرهم، فحفظ لكل فريق حقه، وبين له واجبه في تشريع حقوقي متفرد، سبق كل ما سواه من التشريعات والأنظمة التي اشترعها البشر وتشدقوا بها وبما يرون من محاسنها التي لا تبلغ شأو محاسن التشريع الرباني، المنزه عن الأهواء المتبعة المحكّمة، والأنظار البشرية الضيقة المحدودة بحدود الزمان والمكان، والمصالح الشخصية الطاغية، والقوميات والعصبيات المفرقة المهلكة.

والمستقبل للإسلام؛ لأنه الدين الذي حفظ الله به الأرواح والأنفس المعصومة، وصان به الأموال والأعراض والعقول، حين حرم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وحين حرم انتهاك الأعراض وتلويث الفرش، وحين حرم تعاطي كل ما يقوض سلامة وصحة العقول من المخدرات والمسكرات، وما في معناها، وحين منع أكل أموال الناس بالباطل بكل صوره وألوانه حفاظاً على سلامة البناء الاجتماعي للأمة، وصيانة له من أن ينهار تحت معاول الأثرة البغيضة، والجشع المفسد للعقول والقلوب، وكل ألوان التكثر بالباطل والتشبع بالحرام.

فليس عجباً إذن؛ أن يكون لهذا الدين حسن العاقبة، وكرم المآل، وطيب المصير.

ولن توهن عرى هذا الدين ولن تزعزع بنيانه، أو تزلزل أركانه أعاصير الباطل وصولة أهله مهما أرعدوا وأبرقوا، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم وأموالهم، وبغوا في الأرض بغير الحق فقتّلوا وهدّموا وشرّدوا، صنيع اليهود اليوم في الأرض المقدسة، وفي سائر أرجاء فلسطين.

فإن العاقبة للإسلام وأهله إن شاء الله، وإن الغلبة والنصر والظفر لله ورسوله ثم للمؤمنين الصادقين الصابرين الصامدين، الذين يعلمون ويستيقنون أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُون  هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ  [التوبة:32-33].

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه .

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فيا عباد الله، إن على الأمة إن أرادت الظفر بهذا الموعود في مستقبل متوَّج بالنصر والظهور والعزة والتمكين في الأرض، إن عليها أن تكون أمة مسلمة حقاً؛ ببذل حق الله تعالى له، في إخلاص العبادة له، ونفي الشركاء عنه سبحانه بصرف جميع أنواع العبادة له وحده، وبتحكيم شرعه والنزول على حكمه في الجليل واليسير، والرضا به، وكذا التسليم له دون حرج في النفوس أو ريب في القلوب؛ وبذلك تكون السعادة للخلق أجمعين؛ لأن القيادة المسددة الراشدة سوف تكون عندئذ لهذا الدين، دين الله العليم الحكيم الخبير.

ألا وصلوا وسلموا على الحبيب رسول الله، فقد أمرتم بذلك في كتاب الله، حيث قال سبحانه: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

 

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلى، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، ودمر أعداء الدين، وسائر الطغاة والمفسدين، وألف بين قلوب المسلمين، ووحد صفوفهم، وأصلح قادتهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد  وعبادك المؤمنين، اللهم انصر المجاهدين لنصر دينك واعلاء كلمتك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، اللهم عليك باليهود الطاغين، اللهم اشدد وطأتك على اليهود، اللهم اشدد وطأتك على اليهود، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم منزّل الكتاب ومجرى السحاب وهازم الأحزاب اهزم هؤلاء اليهود الطاغين قتلة الأنبياء وقتلة الأبرياء، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بسوء فأشغله بنفسه واجعل تدبيره تدميره يا رب العالمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ووفق أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا وهيئ له البطانة الصالحة ووفقه لما تحب وترضى يا سميع الدعاء، اللهم احفظ هذه البلاد عزيزة بعز الإسلام حائزة على كل خير سالمة من كل شر، وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، وأجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، واختم بالصالحات اعمالنا، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم انا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءت نقمتك وجميع سخطك، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ . [النحل:90 ، 91]

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.