لفضيلة الشيخ : أسامة خياط
بتاريخ : 5- 6-1422هـ
الحمد
لله الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، أحمده سبحانه وفَّق أولي الأبصار إلى
محاسبة النفس والنأي عن سُبل كل شيطان رجيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، خير من أرشد الأمة إلى سلوك كل طريق
قويم، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن
تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما
بعد:
فيا
عباد الله: اتقوا الله تعالى وقدموا لأنفسكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا
خلال، وإنما هي الأعمال توزن ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون.
أيها
المسلمون:
ألم
تروا إلى التاجر الأريب كيف يقف بين الفينة والفينة متأملاً سير تجارته، متفحصاً
مبلغ ربحه وخسارته، متفكراً في أسباب ذلك، باحثاً عن بواعثه، كَلِفاً بعوامل رقيه،
حذراً من تقهقره وتدهوره.
إنه
مَثل كل عبد يقظٍ من عباد الله، يجعل لنفسه وهو يسعى في حياته الدنيا ويقطع
مراحلها وقفات يقفها عقب كل شوط من أشواطها، وعند نهاية كل مرحلة من مراحلها، فيُرسل
نظرات فاحصة متأملة في كل ما يصدر عنه من الأقوال والأعمال، فيحاسبها أدق الحساب،
ويعاتبها أكمل العتاب، وإن لوقفة المحاسبة التي يقفها أولو الألباب مع أنفسهم
فوائد عزيزة لا يحدها حد.
فمن
فوائد هذه الوقفة المحكمة: وقوف المرء على مواضع الخلل، ومواطن الزلل، وجوانب
الإحسان، ومناحي الإتقان، والعمل من بعد ذلك على إنشاء خطة رشد لمنهج سير وسبيل
عمل يأخذ به الإنسان نفسه في مستقبل الأيام.
ولا
عجب إذن أن كان لنهج المحاسبة مكانه البارز، ومقامه العلي في حياة السلف -رضوان
الله عليهم-، تجلى في عملهم به وحثهم عليه وترغيبهم فيه، فهذا أمير المؤمنين عمر
بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوها قبل أن
توزنوا) [رواه الترمذي].
وهذا
الحسن البصري -رحمه الله- يقول: "المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله، وإنما
شقّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة"، ثم يبين
-رحمه الله- حقيقة هذه المحاسبة عقب الأعمال: بأن المؤمن يَفْرُط منه الشيء فيرجع
إلى نفسه يقول: ماذا أردت بهذا؟ والله، لا أعذر بهذا، والله لا أعود لهذا أبداً إن
شاء الله.
ألا
وإن من أظهر ما تتعين محاسبة النفس عنده هذه الأيام: ما يأخذ به أولو النهى أنفسهم
أمام هذه الإجازات التي شارفت على انقضاء، وآذنت برحيل، وإنها لوقفة تتوارد على
اللبيب فيها طائفة من التساؤلات المفتقرة إلى صدق الجواب.
فماذا
قدم كل امرئ لنفسه ولإخوانه في هذه الأيام الماضيات؟ وهل كانت هذه الإجازة مضمارًا
لاستباق الخيرات والتنافس في الباقيات الصالحات؟ أم كانت وقتًا لتضخيم الأرصدة من
الخطايا، وتعظيم خزائن الأعمال من الأوزار؟ وهل كانت فرصة سانحة لاكتساب المعارف،
والترقِّي في مدارج الكمالات النفسية والعقلية والبدنية؟ أم كانت أزمنة تبطّل يضرب
فيها الكسل بأطنابه، ويمد عليها الخمول رواقه؟ وهل كان سفر المسافر وارتحاله في
البلاد عبرة واستزادة من كل نافع يَجمُل ويحل؟ أم كانت حلبة سباق إلى كل ما يضر
ويحرم؟ وهل كان المُجاز حريصاً في إجازته على أداء الحقوق المترتبة عليه لأهله
وذوي رحمه؟! فوصل من قطع، وأصلح ما فسد، ورأب ما انصدع، وقوّى ما وهن، أم كان
ممعناً في التقصير، موغلاً في الجفوة، متمادياً في البعد؟!
إنها
-أيها الإخوة- وقفة لا مناص لكل حصيف من أن يقفها مع نفسه عقب كل عمل، وعند منتهى
كل مرحلة، وفي ختام كل شوط؛ إن أراد أن يستقيم له أمره، ويصلح له حاله، وتسلم له
عاقبته ومآله؛ فيحظى بالفوز العظيم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم:
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ
نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ
[الحشر:18].
نفعني
الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه
،
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه
إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة
الثانية:
إن
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على
عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما
بعد:
فيا
عباد الله، إن وقفة المحاسبة للنفس من أوضح الأدلة على كمال عقل المرء، وتمام حرصه
على أسباب سعادته، وبواعث نُجْحِه في كل ما يأتي وما يذر.
ألا
فاتقوا الله -عباد الله- واحرصوا على الاستدامة من هذه المراقبة المحكمة الصادقة
لا سيما وأنتم تودعون أيام إجازاتكم، وتستقبلون مرحلة جديدة من مراحل أعماركم،
وتستأنفون شوطاً آخر من أشواط حياتكم، لا غناء لكم فيهما عن اعتبار وادكار بما مضى
وعزم على التصحيح والتخطيط الراشد السديد لما بقي.
ألا
وصلوا وسلموا على خير خلق الله، فقد أمرتم بذلك من كتاب الله، حيث قال سبحانه:
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً
[الأحزاب:56].
اللهم
صلِّ وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر
وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين وعنا معهم بعفوك وكرمك
وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم
أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام
والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، ودمر أعداء الدين، وسائر الطغاة والمفسدين، وألِّف
بين قلوب المسلمين، ووحد صفوفهم، وأصلح قادتهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب
العالمين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك
وعبادك المؤمنين، اللهم انصر المجاهدين
لنصر دينك وإعلاء كلمتك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان،
اللهم عليك باليهود الطاغين، اللهم اشدد وطأتك على اليهود، اللهم اشدد وطأتك على
اليهود، اللهم اشدد وطأتك على اليهود، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم
منزّل الكتاب ومجرى السحاب وهازم الأحزاب اهزم هؤلاء اليهود الطاغين وزلزلهم واجعل
الدائرة عليهم، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم من أرادنا وأراد
المسلمين بسوء فأشغله بنفسه واجعل تدبيره تدميره يا رب العالمين. اللهم آمنا في
أوطاننا، وأصلح ووفق أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا وهيئ له
البطانة الصالحة ووفقه لما تحب وترضى يا سميع الدعاء، اللهم احفظ هذه البلاد عزيزة
بعِز الإسلام، حائزة على كل خير، سالمة من كل شر، وسائر بلاد المسلمين، يا رب
العالمين. اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك
،
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح
لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، وأجعل الموت
راحة لنا من كل شر. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا
وعذاب الآخرة، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا، واختم بالصالحات أعمالنا، وبلغنا
فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نعوذ
بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءت نقمتك وجميع سخطك، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم
تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار.
عباد
الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ
اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا
تَفْعَلُونَ
.
[النحل:90 ، 91]
فاذكروا
الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم
ما تصنعون.