P
لفضيلة الشيخ : أسامة خياط
بتاريخ : 24- 2-1422هـ
الحمد لله الذي وعد
المنفقين من عباده مغفرة منه وفضلاً، أحمده سبحانه يعطي ويمنع من شاء حكمة منه
وعدلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد
ورسوله أكمل الخلائق جودًا وأعظمهم سخاءً وبذلاً، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الذين هم خير الناس عاقبة وأحسنهم عند ربهم نزلاً. أما
بعد:
فيا عباد الله، اتقوا
الله تعالى، فإن منازل المتقين في دار الكرامة عند مليك مقتدر أشرفُ المنازل
وأرفعها وأسماها، وقد أفلح من تبوّأها وتفيّأ ظلالها، وحظي بالنعيم المقيم فيها.
أيها المسلمون:
إن الوعد الحق الصادق
الذي لا يتخلّف موعوده، هو وعد الرحمن الذي وصف به نفسه في محكم التنزيل وأصدق القيل
حيث قال سبحانه:
أَلاَ
إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
[يونس:55].
وقال جل شأنه:
يأَيُّهَا
ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا
وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ
[فاطر:5].
ولقد كان مما وعد الله
به المؤمنين المنفقين أموالهم في وجوه الخيرات حسن العاقبة بكمال الإخلاف عليهم
كِفاء البذل والسخاء بمال الله الذي آتاهم إياه، واستخلفهم فيه، تفضلاً منه ومناً،
وجوداً وإحساناً وبراً وكرماً، فقال عز اسمه:
قُلْ
إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا
أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ
[سبأ:39]. أي مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في
الدنيا بالبدَل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما جاء في الحديث الذي أخرجه
الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
قال: ((قال الله
عز وجل: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك)، وكما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان
في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
قال: ((ما من يوم
يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر:
اللهم أعط ممسكاً تلفاً)).
ألا وإن دعاء الملك
بالإخلاف على المنفق عام في الدنيا بحصول البركة في المال ونمائه وطيبه وازدياده،
وفي الآخرة بحسن الثواب وكريم الجزاء. وأما دعاء الملك الآخر على الممسك بالتلف
فهو إما بذهاب ذلك المال بعينه، أو بتلف نفس صاحب المال، والمراد به فوات أعمال
البر بالتشاغل بغيرها.
وفي الصحيحين أيضاً عن
أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله
: ((أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك))،
وهو نهي لها رضي الله عنها أن تمنع الفضل من مالها، فلا تنفقه في وجوه الطاعات
خشية نفاده، فتكون العاقبة عند ذاك أن يقطع الله عنها مادة الرزق، ويحجب عنها بركة
الإنفاق، وبئست العاقبة وقَبُحَ المآل.
غير أن هذا الإنفاق -
يا عباد الله - يجب أن يكون ماضيا على السَنن الأقوم، والطريق الأحكم، الذي جاءت
به الشريعة المرفوعة المكرَّمة، ألا وهو سَنن القصد وطريق الاعتدال، الذي بينه
سبحانه في محكم التنزيل بقوله:
وَلاَ
تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ
فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً
[الإسراء:29].
إنها حسنة متوسطة بين
سيئتين ؛ بين سيئة التبذير وسيئة التقتير، وكلاهما من ذميم الخصال وقبيح الخلال
التي يتعين على المسلم اللبيب اجتنابها، والنأي بنفسه عن سلوك سبيلها، والتردي في
وهدتها.
وإزاء هذا الوعد
الرباني – يا عباد الله –، يأتي وعد الشيطان للإنسان بالفقر إذا هو أنفق مما آتاه
الله، فهذا -كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله- وعد الشيطان وهو الكاذب في
وعده، الغادر الفاجر في أمره، فالمستجيب لدعوته مغرور مخدوع مغبون، فإنه يدلي من
يدعوه بغروره، ثم يورده شر الموارد. هذا وإن وعده له بالفقر ليس شفقة عليه، ولا
نصيحة له كما ينصح الرجل أخاه، ولا محبة في بقائه غنياً، بل لا شيء أحب إليه من
فقره وحاجته، وإنما وعده له بالفقر، وأمره إياه بالبخل ليُسيء ظنه بربه، ويترك ما
يحبه من الإنفاق لوجهه، فيستوجب منه الحرمان.
فهذا - أيها المسلمون -
وعد الله، وذاك وعد الشيطان، فلينظر البخيل والمنفق أي الوعدين هو أوثق، وإلى
أيهما يطمئن قلبه، وتسكن نفسه، والله يوفق من يشاء، ويخذل من يشاء وهو الواسع
العليم.
أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم:
ٱلشَّيْطَـٰنُ
يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء وَٱللَّهُ يَعِدُكُم
مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ
[البقرة:268].
نفعني الله وإياكم بهدي
كتابه، وبسنة نبيه
.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة
الثانية
إن الحمد لله نحمده
ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله
فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم على عبدك
ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فيا عباد الله: إن حسن
ظن المنفق بربه دال أوضح دلالة على سلامة وصحة البناء النفسي لهذا العبد، وكمال
توكله على ربه، وتمام يقينه بصدق وعده سبحانه لعباده المنفقين في الخيرات، ذلك
الوعد الحق الذي لا يتخلف ولا يتبدل.
ألا فأحسنوا أيها
المسلمون الظن بربكم، وأنفقوا مما آتاكم الله من فضله، طيبة به نفوسكم، تحظوا بذلك
الموعود، بالإخلاف عليكم في الدنيا، وحسن الثواب وكريم الأجر لكم في الأخرى.
ألا وصلوا وسلموا على
الحبيب رسول الله، فقد أمرتم بذلك في كتاب الله، حيث قال سبحانه:
إِنَّ
ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً
[الأحزاب:56].
اللهم
صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة أبي بكر وعمر
وعثمان وعلى، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين
وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم
أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين،
واحمِ حوزة الدين، ودمر أعداء الدين، وسائر الطغاة والمفسدين، وألف بين قلوب
المسلمين، ووحد صفوفهم، وأصلح قادتهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين،
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد r وعبادك المؤمنين، اللهم انصر المجاهدين لنصر دينك في كل مكان،
اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، اللهم عليك باليهود الطاغين، اللهم اشدد
وطأتك على اليهود، اللهم اشدد وطأتك على اليهود، اللهم اشدد وطأتك على اليهود، اللهم
عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم منزل الكتاب ومجرى السحاب وهازم الأحزاب اهزم
هؤلاء اليهود الطاغين وزلزلهم واجعل الدائرة عليهم، اللهم إنا نجعلك في نحورهم
ونعوذ بك من شرورهم، اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بسوء فأشغله بنفسه واجعل
تدبيره تدميره يا رب العالمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ووفق أئمتنا وولاة
أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا وهيئ له البطانة الصالحة وأعز به دينك وأعل
به كلمتك ووفقه لما تحب وترضى يا سميع الدعاء، اللهم احفظ هذه البلاد عزيزة بعز
الإسلام محفوظة بحفظه حائزة على كل خير سالمة من كل شر، وسائر بلاد المسلمين يا رب
العالمين.
اللهم وفق جميع ولاة
المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك r، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي
فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل
خير، وأجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا
من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من
الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: )إن الله
يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم
لعلكم تذكرون % وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد
جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون(.
فاذكروا الله العظيم
الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.