لفضيلة الشيخ : سعود الشريم
بتاريخ : 23- 10-1423هـ
الحمد لله معز من أطاعه، ومذل من عصاه، أكرم من شاء بامتثال أوامره والبعد عمّا عنه نهاه، أحمده سبحانه وأشكره على ما أولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له العزة والكبرياء، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، صفوة العالم، وسيد الأنام برّاً، اللهم صلي وسلم عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الكرام البررة.
أما بعد: فإن خير
الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد
، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة
ضلالة، وكل ضلالة في النار، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد
غوى، ولا يضر إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئاً.
أيها الناس، المجتمع
المسلم المتميِّز هو ذالكم المجتمع الذي تتحقّق له ضروراتُه وحاجياته
وتحسينيَّاته، تحت ظلِّ الشريعة الغراء التي لا ينغِّصها أزمةٌ ولا يعكِّرها ضيق،
ذالكم المجتمع الذي يجد حرمتَه مصونةً مكرَّمة لا تُهدَر تحت ناب سَبُع عَادٍ، ولا
تُستباح بمخالب باغٍ متوحِّش، أو سطوة معتدٍ صائل.
هكذا يعيش المجتمع
المسلم إذا كان في صورته المثلى واستقراره المعهود، غيرَ أنه عند أدنى اختلالٍ لما
مضى وإحلال الضدِّ محلَّه من الاستخفاء وراء أسوارٍ من الصلَف والغطرسة والمقت
لوحي الله وحَمَلته، وجعل سبيل الله موحِشةً لطول ما ترادف على سالكيها من أدواء
وأعباء لهُو الباب الحقيقي للمثول أمام حاضرٍ كريه ومستقبل مغلق، وحينئذ تزلّ القدم
بعد ثبوتها، ويسبق الخصمُ إلى إذلالها وكبت حريتها.
إن الشعور العام بين
الناس ليحكي بأن العالم اليوم قد قطع مراحلَ شاسعة في طريق التقدم الحضاري والصعود
المادي، فسارعت هممُ الناس تترى كالبارع الذكي والنَّشِط المتوقِّد في اللهث وراء
التقدم الصناعي والحضاري ونحوهما، ولكن هذا كلُّه كان على حساب إيجاد المرء الصالح
التقي والبارِّ الوفي، فتقدَّمت الصناعة وتخلَّفت الروح، استطالت المادة واستكان
الالتزام بالدين، حتى نشأ من هذا الضمور في الوعي تفاوتٌ مقلق، كان سبباً -ولا شك-
في اختلال سير القافلة المسلمة واعتلالها، و[عدم] اتزانها وإبصارها الواعي بما
تُقبل عليه وما تُحجم عنه، ثم تجتال القنوط آمال لفيف من العلماء والمفكرين بعد أن
اعتلى جؤارهم من القحط الروحي الذي يسود أرجاءَ المسلمين بصورة لافتة.
إن التديّن الحقيقي هو
الإيمان بالله والشعور بخلافته في الأرض قلباً وقالباً، والتطلّع إلى السيادة
الشرعية التي اقتضتها هذه الخلافة، بيدَ أنَّ ذلك لا يتمّ إلا بتطويع كلِّ ما جعله
الله وسيلةً مشروعة لتحقيق هذا المفهوم، وسْط دنيًا ينبغي أن يحكمها المجتمع
المؤمن باسم الله وعلى بركة الله وفضله، من خلال الحكم بما أنزل الله شريعةً
ومنهاجاً، وإحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتذليل السُّبل في
الدعوة إلى الله عز وجل والجهاد في سبيله وابتغاء مرضاته. وبمثل هذا يُقضى على
الجفوة بين مفهومي الحَضارة والإسلام، ويُرأب الصدع وتُسدُّ الثلمة لتصل سفينة
المجتمع المسلم الماخرة إلى شاطئ العزِّ والتمكين.
كما أنه يجبُ أن يكون
واضحاً جلياً تقريرُ أن الفضائل والعبادات التي شرعها الله لنا لا تعوق ازدهار
الحياة وتقدمَها المادي وسْط المجتمعات المسلمة، لأن الإنسان عقلٌ وقلب، ومن يظنّ
أنَّ صحوة القلب لا تتمّ إلا مع خمول الفكر وتهميش الدنيا من كلِّ جوانبها فهو
مخطئ خطأ فاحشًا، كما أنَّ من يظنُّ بأنَّ سيادة العقل وبلوغ الأرب في التقدّم
الماديّ لا يتمُّ إلا بتنحية الإيمان بالله وفصله عن واقع الحياة لهو مخطئ أيضاً
خطيئةً كبيرة، ولذا فإن زكاة الروح قد تتمّ بدون جمال الجسد، وضمان الآخرة والتشمير
لها قد يتمّ بدون ضياع الدنيا وخسرانها، ولقد صدق الله: ![]()
![]()
أيها المسلمون،
إنه لا يشكّ عاقلٌ البتة في أن تخلُّف المسلمين اليومَ عن الإمساك بزمام الأمور في
الأرض كما كان أسلافهم وفي الاتصاف بالتبعية والاستجداء مع ما يصاحب ذلك من قلقٍ
متنامي وتوجُّسٍ مكابد وشعورٍ بأنهم وسْط عنق زجاجةٍ يُصعدون فيها ولا يلوون على
شيء، أنَّ ذلك كلَّه بسبب بُعدهم عن دينهم، وتنحية شرع الله عن الواقع، وخفر
العهود والمواثيق، كما قال النبي
لبعض
المهاجرين محذِّراً: ((وما خفروا العهدَ إلا سلَّط الله عليهم عدواً
من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم يعمل أئمتُهم بما أنزل الله في كتابه
إلا جعل الله بأسَهم بينهم)) رواه البيهقي وابن ماجه.
ثم اعلموا -يا
رعاكم الله- أن ثمَّة سببين اثنين ينخران في جسد الأمة بنَهَم لتلحق بركاب
القَعَدة العاجزين، وأوَّل هذين السببين هو اللَّهَث وراء التيَّارات الغربيَّة
القائمة على فلسفة التفوُّق المادِّي والفكر التحرُّري الذي لاقى رجعَ الصدى وسطَ
الغوغاء من أبناء الأمة المسلمة، مترفِهم ومثقَّفِهم، بل وحتى من كان على فراش
الإملاق منهم، إلى أن صاروا أُذناً وعيناً ولساناً وقلماً لنهجهم وفكرهم سياسةً
وحضارة وثقافة وإعلاماً، فأصلحوا بإفساد، وداوَوا بالطاعون، وتقدَّموا بالتأخّر،
فهُضمت حقوقُ المسلمين، واغتيلت مروآتُهم بتقليدٍ أعمى ولهثٍ بليد، فتحقَّق فيهم
قولُ الرسول
: ((لتتَّبعنَّ سننَ من كان
قبلكم حذوَ القذَّة بالقذَّة حتى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتموه))،
قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟!)) رواه
البخاري ومسلم.
وأيُّ تبعيةٍ
أقبح من أن تشبَّه بدخول جُحر الضَّب المظلم مع ما فيه من ضيقٍ وقوارص، إلا وأنَّ
ذلك دليل على التبعية مع عصْب العينين على وجه الانتحار غيلة: ![]()
![]()
ثم إنَّ
ثاني السببين -عباد الله- هو ذلكم الجاثومُ الكابِت، الذي يعمل على تذويب الهوية
الإسلامية للأمة المسلمة وتميّزِها، المتمثِّل في الاستعزاز بالإسلام وبما فرضه
الله عليها من الولاء والبراء، والحب في الله والبغض فيه، وجعل المسلمين بعامة خاضعين
لمصالحَ مشتركةٍ أيًّا كان نوعها، حتى ولو كانت خارجَ الإطار المشروع ما دامت
تصبُّ في مصالحَ دوليةٍ وقوالبَ ماديَّة للأفراد والجماعات، فيجرُّها هذا الجاثومُ
طوعاً أو كرهاً إلى فلَكها، عبرَ بنود يصعُب التراجُع عنها أو الإخلال بها، بناءً
على ما تقتضيه مصلحةُ الفرد أو المجتمع من أعباء الحياة، التي يصبحون من خلالها في
غير غنى عن الغرب ومادته وفلسفته وسيادته.
وفي كلا
السببين -عباد الله- تتضاءل إن لم تتلاشى صلةُ المسلم بربِّه ودينه، وينحصر الأفراد
والجماعات داخلَ بوتقةٍ من ضيق الأفق، فلا يرون فيها إلا مصالحَهم الخاصة، ويندفع
جهدُهم كلّه وراء المنفعة العاجلة، بقطع النظر عمَّا يحكم ذلك من حلال أو حرام،
والله جل وعلا يقول: ![]()
![]()
على أن
ينصحَ لكل مسلم ويبرأَ من الكافر، رواه أحمد.
ومن هذا
المفهوم -عباد الله- يوقنُ كلّ منصف أنَّ أهلَ الكفر والإلحاد لم ينتصروا بقواهم
الخاصَّة قدرَ ما انتصروا بفراغ قلوب المسلمين من خلال شهواتهم اليقظة، وإخلادِهم
إلى الأرض، واتباع الهوى، والسّعار إلى اللذات والرغبات، وافتقار صفوفهم إلى ما
يجمعها ولا يفرقها، وإلى ما تعتزّ به من الدين لا ما تستحيي منه أو تخجل بسببه، ![]()
![]()
![]()
بارك الله
لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت
ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وليّ
الصالحين، ذي الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله
وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد: يا أيها
الناس، إن في كتاب الله وسنة رسوله
ما
يكشف أسبابَ الانكسار، ويبرز دواعيَ الانشطار الذي يصيب المسلمين بعامَّة بين
الحين والآخر. ومثل هذا لا يعدُّ بدعاً في أمم الإسلام دون غيرها من الأمم، فقد
بيّن الله في محكم التنزيل ما يدلّ على ناموسه وسنته في الناكصين والظلمة
والمتسلِّلين عن دينهم لواذا في كلِّ زمان ومكان: ![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
ومع هذا
كلِّه فإنَّ الباري جلَّ شأنه برٌّ بعباده، رحيمٌ بهم، يمنّ عليهم بفضله ورحمته، ويسبغ
عليهم سِتره ونعمتَه، ويصبِّحهم ويُمسِّيهم بالتوفيق والبركة في الحكم والرزق،
غيرَ أنَّ كثيراً من المجتمعات قد تُحسن الأخذَ ولا تحسن الشكر، تمرح بالنعم ولا
تقدر الله حقَّ قدره، ومثل هذا الاستغفال حين يبلغ مداه إضافةً إلى الإصرار عليه
والإحساس بإمكانية الاستقلال دون تصحيحٍ أو محاسبة نفس، فعندئذ تدقّ قوارعُ الغضب
أبوابَ الأمم، فتُظلم الوجوه بهزائم الدنيا وتجرّع الخوف فيها قبل حساب الآخرة
ونكالها، والله جل وعلا لا يبدِّل أمنَ الأمم قلقاً ولا رخاءَها شدةً ولا صحَّتها
سقماً ولا عزّها ذُلاً من باب الظلم لهم أو التشفِّي بهم، كلا، فإن الله واحدٌ لا
يتغيَّر، ولكن الناسَ هم الذين يتغيَّرون، كما أن الله عادل لا يظلم الناس شيئاً،
ولكن الناس أنفسَهم يظلمون، ![]()
![]()
إن رياح
التعيير -عباد الله- لا تهبُّ عليلةً دون كدرٍ أو قتر، كما أنها لا يمكن أن تهبَّ
إلا من داخل صفِّ المسلمين أنفسهم، ومستقبل المسلمين لا يمكن أن يصنعَه من لا يخاف
الله ولا يؤمن بشِرعته، بل لا بد أن يصنعَه المسلمون أنفسُهم انطلاقاً من شِرعتهم
الغرّاء، وخارجاً عن إطار القوميَّات والإقليميات والعبِّيَّات الجاهلية، وأن
المسلمين متى ما أرَوا اللهَ من أنفسهم صدقاً في التصحيح وعَلِم الله فيهم خيراً
في حسن المقصد وصدق اللجوء إليه مهما كان الواقع الأليم الذي يعيشونه ويعانون فيه
الأمرَّين، فإن ذلك ليس بمانِعهم أن يقلبَ الله كربَهم فرجًا، وترحَهم فرحًا، يقول
الله جل وعلا عن أسرى بدر من المشركين: ![]()
![]()
فالعودةُ إلى
الله سببٌ في الفلاح وسرّ في النجاح، غيرَ أن العودةَ لا يمكن أن تكون بمجرَّد شقشقَةِ
لسانٍ أو حركة ببنان أو بوعودٍ كاذبة في التصحيح والاستقامة فورَ انكشافِ الكربة
وانقشاع الغياية، كلا، فتلك وعودٌ كاذبة، لو انطلت على بعض البشر فإنها لا تخفى
على ربِّ البشر، ولذلك أعقب الله حديثَه عن الأسرى بقوله: ![]()
![]()
فالحاصل -عباد
الله- أنَّ استقامةَ المجتمع وفلاحَه ونجاحه في سياسته العامة وبلوغَه المكانة
العالية إنما تجيء من الحرص على التكامل وتهذيب النفوس من الوحشة والنفرة، بعد
تحقيق الصلة بالله. ولدى المسلمين في وقتهم الحاضر كنوزٌ مشحونة بمثل هذه المعاني
الغضَّة تسع أهلَ الأرض جميعاً لو قُسمت بينهم، ولكنهم عن ذلك ذاهلون، وفي نيل
الغاية الأسمى مفرِّطون، ![]()
![]()
![]()
![]()
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين ...