لفضيلة الشيخ : أسامة خياط
بتاريخ : 20- 5-1422هـ
الحمد
لله الذي نهى عن الفساد في الأرض بعد إصلاحها بالإسلام والقرآن، أحمده سبحانه أنار
بصائر أولي النهى بأنوار التوحيد والهدى والإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، أرشد الأمة إلى طريق السعادة
ودخول روضات الجنان، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ما
تعاقبت الليالي والدهور والأزمان،
أما
بعد:
فيا
عباد الله، اتقوا الله تعالى وراقبوه، واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده، ولا
مولود هو جاز عن والده شيئاً، واعلموا أن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا،
ولا يغرنكم بالله الغرور.
أيها
المسلمون: إن هذه الأرض قد أصلحها الله تعالى أتم الإصلاح برحمته ونعمته، وفضله
على خلقه، حين أراد بهم رشداً، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه متضمنة من
البينات والهدى ما تكفل لهم به سبحانه من أسباب السعادة في العاجلة والآجلة، وعداً
منه حقاً، لا يتخلف ولا يتبدل؛ فصلحت بذلك هذه الأرض صلاحاً هو غاية الصلاح وأكمله
وأنفعه وأبقاه، بل لا صلاح في الحقيقة إلا هذا الصلاح التام الشامل الذي جاء به
هذا الدين في كل عقيدة من عقائده، وفي كل شرعة من شرائعه.
ولا
عجب أن كان الإفساد في الأرض بعد إصلاحها أعظم الإفساد وأقبحه، وأشده إيغالاً في
الشر وإمعاناً في النكر؛ لأنه من أعظم المحادة لله ورسوله والمحاربة لهما؛ ولأنه
نقض للمنافع البينة، وهدم للمصالح الثابتة، وزعزعة للقواعد القويمة التي ابتني
عليها بنيان الأمة العقدي والتشريعي الراسخ، وقام عليها كيانها الأخلاقي القوي
المتين؛ ولأن من يبوء بإثم هذا الإفساد إنما يسن بما يصنع سنة سيئة يتبعه عليها
غيره، وبئست السنة، وقبحت الطريق، وساء السبيل.
وإن
للإفساد في الأرض -يا عباد الله- صوراً كثيرة وألواناً عديدة لا تكاد تقع تحت
الحصر، ألا وإن أعظم هذا الإفساد: الشرك بالله عز وجل بصرف حقه سبحانه إلى غيره،
وهو ظلم عظيم كما قال سبحانه في وصية لقمان لابنه:
يٰبُنَىَّ
لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[لقمان:13].
وإنه لظلم عظيم يظلم به المرء نفسه أشد الظلم، ويغبنها أعظم الغبن، إذ يسوي الخالق
القادر الرازق المدبر المحيي المميت، المتفرد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته
بالمخلوق العاجز الفاني، ولذا كان مَثل من أشرك بالله كمثل من هوى من القمة
السامقة العلية إلى أسفل دركات الحضيض، كما قال سبحانه:
وَمَن
يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاء فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ
أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ
[الحج:31].
فأي
فساد في الأرض أعظم من فساد من يدعو مع الله أحداً لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً،
ولا موتاً، ولا حياةً ولا نشوراً.
ومن
ألوان الفساد في الأرض وصوره أيضاً: التردي في وهدة الخطايا، والتلوث بأرجاسها في
مختلف ألوانها، ومن أعظمها تلك الكبائر الموبقات المهلكات التي توعد الله من اقترف
منها شيئاً بأليم عقابه، وعظيم نكاله، وبينها رسول الله
في الصحيح الثابت من سنته، ومنها السحر،
وقتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم
الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، والزنا،
ومعاقرة الخمر، وتعاطي المخدرات، والسرقة، وقطيعة الرحم، وإخافة السبيل وغير ذلك
من الموبقات التي يوبق بها المرء نفسه ، فتنتقص من إيمانه، ويغدو باجتراحها مطيّة
طيّعة للشيطان يسوقها إلى حيث شاء من سبل الشرور ومسالك الغواية ويطمس بصره عن
البينات، ويُعمي بصيرته عن الهدى، ويزيّن له عمله، ويمد له في غيِّه، ويحسِّن له
عوجه، حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن، فيحسب أن ما هو عليه من الإفساد في الأرض هو
الصلاح حقاً بلا ريب، شأن أهل النفاق الذين أخبر سبحانه عن حالهم بقوله:
وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
أَلا
إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ
[البقرة:11-12].
وإن
من أظهر صور الفساد في الأرض -أيها الإخوة- ما يفعله اليهود اليوم في الأرض
المقدسة من عدوان سافرٍ، وظلم عظيم، وبغي مفضع تبدى جلياً في هذا القتل والهدم
والتشريد والحصار الذي لم يستثن شيخاً كبيراً، ولا شاباً نضيراً، ولا طفلاً صغيراً،
ولا غرو فإنها حلقة من سلسلة من حلقات إفسادهم الأرض وبغيهم فيها بغير الحق وعلوهم
فيها علوًا كبيرًا.
ومن
صور هذا الإفساد في الأرض أيضاً: ما وقع فيها من هذا التلوث البيئي الذي عمّ ضرره،
واتسع خطره فتأذى به الإنسان والنبات والحيوان على الغبراء، والطير في جو السماء، والحيتان
في جوف الماء، كل ذلك بسعي من الإنسان، وثمرة مرّة لما صنعت يداه، بعيداً عن
الحيطة والحذر الواجبين، وإعراضاً عن النصح والتفكير والتقدير، وتمادياً باللهف خلف
سرعة الإنتاج، وبريق المادة، ووفرة الكسب.
وإذا
كان الفساد في الأرض إنما يقع فيها بما كسبت أيدي الناس، وبما اجترحوه من سوء؛ كما
قال سبحانه:
ظَهَرَ
ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ
[الروم:41]، فإن مما لا يرتاب فيه أولو الألباب أن علاج ذلك ورفعه إنما يكون أيضاً
بما تكسبه أيدي الناس؛ لأنه سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولا
يتم ذلك إلا إذا ثاب الخلق إلى ربهم ولاذوا به، والتمسوا رضوانه فعبدوه حق
العبادة، وأسلموا وجوههم له، وصرفوا حقه له وحده، وتحاكموا إلى شرعه، رضوا به،
وسلموا له تسليماً لا يتطرق إليه شك، ولا يعكر صفوه حرج، ولا يكدره تردد ولا
تذبذب، ثم أخذوا بعد ذاك بما يسره سبحانه من أسباب القوة وبواعث النماء وعوامل
الرخاء التي بثها في مناكب الأرض، ونشرها في أرجائها وسخرها على نحو مقدر متسق
موزون، لا يطغى بعضه على بعض، ولا يلغي بعضه بعضاً.
أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم:
وَلاَ
تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ
رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ
[الأعراف:56].
نفعني
الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه
،
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب
فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة
الثانية:
إن
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم على عبدك
ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما
بعد:
فيا
عباد الله: قال العلامة الحافظ المحقق ابن القيم -رحمه الله- تعليقاً على قوله
سبحانه:
وَلاَ
تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا
:
"إن عبادة غير الله، والدعوة إلى غيره، والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل
فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره، وبالجملة في الشرك والدعوة
إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله
هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها
ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود، وأن تكون الدعوة له لا لغيره،
والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول،
فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله
ودينه وبالأمر بتوحيده ونهى عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله، ومن تدبر أحوال
العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، ووجد كل شر في
العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير
الله ورسوله، ومن تدبر هذا حق التدبر، وتأمل أحوال العالم منذ قام إلى الآن وإلى
أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه،
وفي حق غيره عموماً وخصوصاً، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". انتهى كلامه يرحمه
الله.
ألا
فاتقوا الله عباد الله وكونوا من المصلحين تحظوا برضا الخالق رب العالمين، وتكونوا
عنده سبحانه من المفلحين الفائزين.
ألا
وصلوا وسلموا على الحبيب رسول الله، فقد أمرتم بذلك في كتاب الله حيث قال سبحانه:
إِنَّ
ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً
[الأحزاب:56].
اللهم
صلِّ وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة أبي بكر وعمر
وعثمان وعلى، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين
وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم
أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين،
واحمِ حوزة الدين، ودمر أعداء الدين، وسائر الطغاة والمفسدين، وألف بين قلوب
المسلمين، ووحد صفوفهم، وأصلح قادتهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين،
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد
وعبادك المؤمنين، اللهم انصر المجاهدين
لنصر دينك وإعلاء كلمتك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، اللهم
عليك باليهود الطاغين، اللهم اشدد وطأتك على اليهود، اللهم اشدد وطأتك على اليهود،
اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم منزّل الكتاب ومجرى السحاب وهازم الأحزاب
اهزم هؤلاء اليهود الطاغين وزلزلهم واجعل الدائرة عليهم، اللهم إنا نجعلك في
نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بسوء فأشغله بنفسه
واجعل تدبيره تدميره يا رب العالمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ووفق أئمتنا
وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا وهيئ له البطانة الصالحة ووفقه لما
تحب وترضى يا سميع الدعاء، اللهم احفظ هذه البلاد عزيزة بعز الإسلام حائزة على كل
خير سالمة من كل شر، وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
اللهم
وفق جميع ولاة المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك
،
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا،
وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، وأجعل
الموت راحة لنا من كل شر، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي
الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا، واختم بالصالحات اعمالنا،
وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم
انا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءت نقمتك وجميع سخطك، ربنا ظلمنا
أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي
الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد
الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي
الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا
عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ
اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
. [النحل:90 ، 91]
فاذكروا
الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم
ما تصنعون.