بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة

لفضيلة الشيخ : أسامة خياط

بتاريخ : 2- 5-1423هـ

والتي تحدث فيها فضيلته عن : التحذير من التبرج والاختلاط

 

الحمد لله الذي هدى الأمة إلى دين الإسلام وبيّن لهم فيه الأحكام, أحمده سبحانه يكرم من يشاء برحمة ويدخلهم الجنّة دار السلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ نبيّنا محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمةً للأنام، اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الأئمة الأبرار الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام.

 

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله فتقوى الله يقظة وحياة للقلب، وسعادة للروح، وسمو للنفس، ونور في القبر، ونجاة وسرور يوم البعث والجزاء والنشور.

أيها المسلمون، في غمرة الاغترار بزخرف الحياة الدنيا وزينتها، وبين لهوها ولغوها، ووسط هجير مطامعها ومطامحها، يطول الأمد على فريق من الناس، فيعقبه ذلك نسياناً أو تناسياً لعظم ما امتنَّ الله به عليه من نعمه السابغة وآلائه الجليلة، وفي الطليعة منها هذا الدين الحنيف وهذه الشريعة المكرمة التي تضمنها التنزيلُ العزيز والهدي النبوي الكريم، فجاءت كما أراد الله محقِّقة لمصالح العباد في المعاشِ والمعاد.

وإن من مكارم هذه الشريعة ما حفلت به نصوصُها وقواعدها من بيان الوسائل التي تُدرَأ بها المفاسد، وتسَدُّ بها منافذ الشرور، وتوصَد أبواب النكر والبلاء والرذائل، وتُحرسُ بها ساحة الحق، وتُحمى بها حِمى الفضائل. وإن الحِكم التشريعية في سدِّ الذرائع التي يُتوصَّل بها إلى المحظور تتجلى في أبواب شتى من أبواب العقائد والعبادات والمعاملات وغيرها، غيرَ أن من أوضح صور ذلك ما شرعه سبحانه لنساء المؤمنين، وما حدَّه لهن من حدود، وما وضعه لهن من معالم، وما خطّ لهن من مسالك أصابت بها المرأةُ المسلمة حظًّا موفوراً في تفرُّدِ وتميز الشخصية، وطهارة وسلامة السيرة، ونقاء المسلك، وحُسن الأُحدوثة.

وإن في طليعة ما شرعه الله في حق المؤمنات إيجابَ الحجاب وحظر الاختلاط بالرجال، وإنهما -أيها الأخوة- تشريعان مقترنان متلازمان، فكما يجب الإذعان لما أوجبه الله من حجابٍ كاملٍ سابغ ساتر يصُون العفاف ويحفظ الطهر، ويستبقي الحياء ويدفع الإيذاء، وذلك بقوله سبحانه: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ وَبَنَـٰتِكَ وَنِسَاء ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب:59]، وبقوله في حق أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، وهن أتقى نساء الأمة وأبعدُهن عن كلِّ مقبوح من الفعال وكل منكور من الخلال بما أكرمهن الله به من شرف الزوجية، وبما يُتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، بقوله سبحانه في حقهن: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعاً فَٱسْـئَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:54]، فكذلك يجب الإذعان أيضاً لما حظره الله من اختلاط النساء بالرجال، وهو الحظر الذي نصَّت عليه جمهرة من الأدلة الصحيحة الصريحة الواضحة البيِّنة، منها ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه بإسناد صحيح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)) ، وهو خبر تضمَّن نهيا صريحاً عن الاختلاط في حق الأفراد معلَّلاً بعلته الواضحة التي لا تحتمل غير ما دلت عليه من صحة المعنى وحكمة المغزى. ومنها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((إياكم والدخول على النساء))، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ يريد أقارب الزوج من الإخوة وأبنائهم وأبناء الأعمام وأمثالهم، فقال النبي : ((الحمو الموت))، أي: هو في شدة ضرره على المرأة بدخوله عليها كالموت المجهز على الحياة، وهو نهي صحيح صريح أيضاً عن المخالطة للنساء لا لبس فيه ولا خفاء ولا احتمال.

وكلا النهيين -يا عباد الله- جاء على لسان الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه، فهل يصح أن يقدَّم على قوله قولُ أحد سواه وهو الناصح الشفيق الرؤوف الرحيم بأمته، كما وصفه سبحانه بقوله: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة:128]؟‍‍!! بل هل يجوز ردُّ قوله والمخالفة عن أمره بعدما حذَّرنا الله من ذلك أبلغ وأقوى تحذير بقوله سبحانه: فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]؟!! ثم لماذا وصف رسول الله  صفوف الرجال وصفوف النساء عند الصلاة في المساجد بقوله فيما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلوات الله وسلامه عليه قال: ((خير صفوف الرجال أوَّلها، وشرُّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أولها))؟!! لماذا جاء هذا الوصف النبوي يا أولي الألباب؟! أليس ذلك للتأكيد القوي على لزوم المفاصلة وضرورة المباعدة وذلك بطريق البيان لحال ومآل أوَّل الصفوف وآخرها في كل من الفريقين؟! وإذا كان هذا التشريع وارداً في حق المؤمنين والمؤمنات عند اجتماعهم لعبادة ربهم في المساجد التي وصفها سبحانه ووصف عُمَّارها بقوله: فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ  رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَاء ٱلزَّكَـوٰةِ يَخَـٰفُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَـٰرُ [النور:36، 37]، فكيف بغيرها من المجامع التي قد تضمّ أشتاتاً من خيار الخلق وشرارهم ومن أبرارهم وفجَّارهم؟! أفلا يجدُر بالأمة أن تُمضي هذا التشريعَ النبوي الكريم عليها بطريق الأولى لاتحاد العلة في الحالين، ولوجود المقتضى وانتفاء المانع؟! وإذا كان المخاطبون بهذه النصوص النبوية الكريمة الصحيحة الصريحة زمنَ تنزُّل الوحي هم أفضل الأمة قاطبةً وخيرُ قرونها كما شهد لهم بذلك رسول الله  في الحديث المتفق على صحته، فهل انتفت حاجة الأمة في أعقاب الزمن إلى ما في هذه النصوص من تشريع وأمر ونهي، أم أن الحاجة إليها أشد، والافتقار إليها أظهر، لا سيما مع غلبة الشرور وتنوعها واتساع مداها وعموم خطرها؟! وإذا كان البشر يحتفون بكل تنظيم يرون فيه نفعاً، ويستدفعون به شراً يحيط بهم أو يحدق بهم، ولا يرون ضيرا في قيوده وضوابطه التي قد تحدُّ من حريتهم، وتضعهم تحت طائلة العقاب عند المخالفة عنه أو تعدِّي حدوده، فما بال من آمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ  رسولاً نبياً، ما باله ينظر إلى هذه التشريعات الربانية الواردة في نصوص محكمة وأدلة صحيحة صريحة، ينظر إليها نظرة ريب؟! بل يصفها بالقيود التي لا حاجة إليها، ويدعو إلى رفعها أو الخلاص منها، مع ما فيها من تحقيقِ المصالح وتكميلها، وتعطيلٍ للمفاسد وتقليلها، شأنَ كل الشرائع التي جاء بها الرسل وأُنزل بها الكتب.

عباد الله، إنه لا يجوز لمؤمن بالله مصدِّق برسوله  أن يخوض غمار هذه القضية بمجرد الرأي الذي لا تسنده حجة، ولا بالزعم الذي لا يعضده برهان، ولا باتباع الظن وما تهوى الأنفس، بل يتعين في الخائض غمارَ ذلك من محكماتِ الدين وقضاياه ومسائله ضرورةُ الاتصاف بكمال الإخلاص لله تعالى وتقواه، وتمامِ التجرد من الأهواء والنزعات التي تنزع به بعيداً عن الحق، مع إحسان القصد بإرادة النصح للأمة والشفقة على الخلق، مقروناً بسعة علم بصحيح الأدلة من ضعيفها، مع حسن فقه للنصوص، وسلامة استنباط يُبتَنى على طول دُربةٍ وصبر وجلد، يجمع ذلك كلَّه أهليةٌ كاملة، ورسوخٌ في العلم.

ثم ليعلم أن حصائد الألسنة والأقلام هي من أعظم ما يُخشى ضرره وتحذر عاقبته، كما بين ذلك رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه بقوله لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين سأله متعجباً: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال : ((ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناسَ في النار على وجوههم -أو قال:- على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم؟!)) أخرجه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي في سننهما بإسناد حسن.

أعاذنا الله وإياكم من ذلك، وحفظنا جميعاً من الشرور، وألهمنا النظر الثاقب والرأي الصائب في عواقب الأمور.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله الحكَم العدل اللطيف الخبير، أحمده سبحانه له الدنيا والآخرة وإليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله البشير النذير، والسراج والمنير، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فيا عباد الله، إن ما شرعه الله تعالى في كتابه وما ورد مُبيّناً في سنة نبيه  مما يتَّصل بأمر الحجاب وحظر الاختلاط بين الرجال والنساء لا يرتبط بزمان من الأزمنة، ولا يختصُّ بمكان من الأمكنة، ولا يقتصر على أفراد بأعيانهم دون غيرهم، بل هو عام لكل ذلك، زماناً ومكاناً وأفراداً؛ لأن مَن شرعه هو خالق الزمان والمكان والإنسان، وهو عليم بخلقه، حكيم في تدبيره، منزَّه سبحانه عن العبث في قضائه وحكمه وأمره ونهيه، ولا يكون إيمانٌ به عز اسمه إلا بالإذعان لحكمه، والتحكيم لشرعه، والتسليم له دون حرج في النفوس، أو ريب في القلوب.

فكونوا -عباد الله- من العاملين بالوحيين، المتمسكين بالتنزيلين، وحذارِ أن تفرَّق بكم السبل عن سبيله.

ألا واتقوا الله عباد الله، وصلوا وسلموا على خير خلق الله محمد بن عبد الله، فقد أمرتم بذلك في كتاب الله حيث قال سبحانه: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد ...