بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة

لفضيلة الشيخ : صالح آل طالب

بتاريخ : 11- 10-1424هـ

وهي بعنوان : في ظلال سورة ق

 

الحمد لله، الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، والحمد لله الذي نزل القرآن تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا له وتوحيدًا وتوقيرًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من أرسله الله هاديًا وبشيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعد:

فاتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعروةِ الوثقى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، فمن اتّقى الله وقاه، ومِن كلِّ ما أهمَّه كفاه، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[الطلاق: 2، 3].

وبعد: أيّها المسلمون، لقد بعَث الله كلَّ نبيٍّ بمعجزةٍ وآية لقومِه، وأنزل على رسولِه محمّدٍ  أعظمَ معجزة وأبلغَ آية، فهي باقيَةٌ إلى قيامِ الساعة، إنّه القرآن الكريم، كلامُ الله عزّ وجلّ المنزَّل المحفوظ، تبيانٌ لكلّ شيء، يهدِي للتي هي أقوم، فهو الكتاب المحكَم، الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ[هود: 1]، ما وعظ الواعظون بمثلِه، ولا أصاب الحاكمون بدونِه، ولا استدلّ العالِمون إلاّ بنوره، سمَّاه الله تعالى موعظةً فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ[يونس: 57].

ولقد كانت سنّة النبيّ  أن يعِظ به ويذكِّر استجابةً لنداءِ ربّه: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ[ق: 45]، وفي صحيح مسلم عن أمّ هشام بنتِ حارثة بن النّعمان قالت: كان تَنُّورنا وتنّورُ رسول الله  واحدًا سنتَين أو سنةً وبعضَ سنة، وما أخذتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِإلاّ عن لسان رسول الله  يقرؤُها كلَّ يوم جمعةٍ على المنبر إذا خطَب الناس. قال ابن كثير رحمه الله: "والقصدُ أنّ رسول الله  كان يقرأ بهذه السّورة في المجامع الكِبار كالعيد والجُمَع لاشتمالِها على ابتداءِ الخلق والبَعث والنّشور والمعادِ والقيام والحساب والجنّة والنّار والثواب والعقاب والتّرغيب والتّرهيب والله أعلم".

أيّها المسلمون، إنّ العمل بالموعظةِ خيرٌ وثباتٌ وأجر وهداية، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا  وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا  وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا[النساء: 66-68].

فلنتفيّأ ظلالَ هذه السورةِ إحياءً للسنّة والتماسًا للهداية ووَعظًا للقلوب.

أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم، بسم الله الرّحمن الرحيم: ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ  بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ  أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ  قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضَ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌ  بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍفي أمر مريج أي: مختلِط وملتبِس، وهو حال كلِّ من ابتعد عن هديِ القرآن وكذّب بالحقّ وابتغى هديًا غيرَ هدي الله، فهو متخبِّط في آرائه ومواقفِه، متحيِّر في حياتِه وتصرّفاته، يتبَع الهوى وتتعارَض عنده المفاهيمُ والقيَم.

ثمّ وجّه الله تعالى إلى التفكّر والنّظر في صنعِ الله الذي أتقن كلَّ شيء، وهل غيرُ الله يأتي بمثلِه؟! تعالى الله، بل هل يمكن أن تقومَ المخلوقات بنفسها؟! إنّ هذا لبرهانٌ عظيم على قدرة الله تعالى وأنّه الإله الحقّ: أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ٱلسَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ  وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوٰسِىَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ  وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء مُّبَـٰرَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّـٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ  وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ  رّزْقًا لّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ  كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسّ وَثَمُودُ  وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوٰنُ لُوطٍ  وَأَصْحَـٰبُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ  أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍتعالى الله، إنّ الذي خلق وأنشأ المخلوقاتِ من العدَم ولم يعيَ بخلقهنّ قادرٌ على إعادتِها سبحانه.

ثمّ يبيّن الله تعالى ما يكون عند البعثِ والنشور، وهو الخَلق الثّاني، خَلقُ البعثِ والإعادة، ويقدّم لذلك بتذكيرٍ لخلق الله للإنسان وأنّ الله تعالى لا تخفَى عليه خافية، بل يعلم وسوسةَ الصّدور ومكنونَ القلوب، فكيف بالقول والعمَل؟! مهما خفِي فكلّ ذلك مرصود ومسطور، فليأخذِ المسلم أهبتَه، وليعدّ للموقفِ عدَّته، فمن عمل مثقالَ ذرّة من خيرٍ أو شرّ وجدَه ورآه أمامَه، فحاسِبوا أنفسَكم قبل أن تحاسَبوا: وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ  إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ  مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ، ولكن لا مفرَّ ولا مهرَبَ ولا مَحيدَ من المَوت، فهو مصيرُ كلِّ حيّ، ولن يفلتَ مِن هذا المصير مسلِم ولا كافِر، ومع شدّته وكُربتِه فإنّ ما بعدَه أشدُّ وأفظع مِن أحوال القبرِ والبرزَخ، ثمّ البعث والنّشور والحِساب بعدَ النّفخ في الصّور، فيقول الله: وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ ٱلْوَعِيدِ  وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، فيقال له: لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ، ففي هذا الموقفِ العصيب تُنشَر الصّحف ويبصِر النّاس منازلَهم في الجنّة أو في النّار، عندها يختصِم أهل النّار ويتحاجّون كما ذكر الله ذلك في مواضعَ عدّة من كتابه، وهنا قال: وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ  أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ  مَّنَّـٰعٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ  ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ فَأَلْقِيَـٰهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ  قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ  قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ  مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ  يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلاَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ، وأما الجنة وأهلها –جعلنا الله وإياكم منهم- فإنها تقرب للمؤمنين إكرامًا لهم، فأرخ سمعك لأوصاف أهلها: وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ  هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ  مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ  ٱدْخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ  لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ.

وفي عَطفٍ بيانيّ عجيب يعود آخر السّورة على جميع ما سبَق بتوكيدٍ للقضايا السّابقة من البعثِ والخلق ومصير الخلائق وهلاكِ القرون السّالفة وأحوال القيامة: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ  إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ  وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ  فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ  وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبّحْهُ وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ، وفيه إشارةٌ إلى أنّ الصلاة وذكرَ الله تعالى من وسائل الصّبر والثبات، وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ  يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ  إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ  يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ  نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ.

بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعنا بما فيه من الآياتِ والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله، لم يزل بالمعروف معروفًا، وبالكرَم والإحسان موصوفًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمّة وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين.

وبعد: أيّها المسلمون، اشكروا الله تعالى على ما منَّ به عليكم من الغيثِ والأمطار، واسألوا الله البركةَ فيه وأن يعُمَّ ديارَ الإسلام به، فليس القحطُ أن لا تمطَروا، بل القحط أن تمطَروا فلا يبارك لكم فيه، فالزَموا أسبابَ البركة، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ[الأعراف: 69].

فاللهمّ لك الحمد على ما أوليتنا من نعمِك الجزيلةِ وآلائك الجليلة. اللهمّ لك الحمد حتّى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. اللهمّ اجعل ما أنزلته قوّةً لنا على طاعتِك وبلاغًا إلى حين. اللهمّ أنبِت به الزرع، وأدرَّ به الضّرع، وأغزِر به لنا المَاء. اللهمّ اجعلها سقيا رحمة، وزِدنا من بركاتِك ورحمتِك وفضلك ورزقِك، وعمَّ بفضلك جميعَ ديار الإسلام، يا حيّ يا قيّوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد...