بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة في المسجد النبوي بالمدينة النبوية

لفضيلة الشيخ : علي الحذيفي

بتاريخ : 8- 1-1423هـ

والتي تحدث فيها فضيلته عن : فضل الدعاء وآدابه

 

الحمد لله رب الأرض والسماء، الوهاب لكل نعماء، سميع الدعاء، يكشف الضراء واللأواء، أحمد ربي وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له خير الأسماء، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، المبعوث بالحنيفية السمحاء، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الأتقياء،

أما بعد: فاتقوا الله وأطيعوه، وتوبوا إليه واستغفروه.

أيها المسلمون، اعلموا أنه لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلا بقضاء من الله وقدر، ولا يحدث أمر محبوب أو مكروه إلا بمشيئة الله وخلقه، قال الله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ  وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ [القمر: 49، 50].

فالله هو الذي يدبر الأمور، وهو العليم بذات الصدور، قال الله تعالى: ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأجَلٍ مُّسَمًّـى يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد:2].

جعل للسعادة أسباباً، وجعل للشقاء أسباباً، ورتّب المسببات على أسبابها، فخلق الأسباب، وخلق آثار الأسباب، ولا يحكم مشيئته وإرادته شيء، فلو شاء لخلق وأوجد الشيء بلا سبب، قال الله تعالى: فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ [البروج:16]، وقال تعالى: أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ [الأعراف:54].

والدعاء أكرم شيء على الله، شرعه الله لحصول الخير ودفع الشر، فالدعاء سبب عظيم للفوز بالخيرات والبركات، وسبب لدفع المكروهات والشرور والكربات، وفي الحديث: ((الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل)).

والدعاء من القدر ومن الأسباب النافعة، الجالبة لكل خير والدافعة لكل شر، وقد أمر الله عباده بالدعاء في آيات كثيرة، قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ [غافر:60].

وحقيقة الدعاء تعظيم الرغبة إلى الله تعالى في قضاء الحاجات الدنيوية والأخروية، وكشف الكربات، ودفع الشرور والمكروهات الدنيوية والأخروية.

والدعاء تتحقق به عبادة رب العالمين؛ لأنه يتضمن تعلق القلب بالله تعالى، والإخلاص له، وعدم الالتفات إلى غير الله عز وجل في جلب النفع ودفع الضر، ويتضمن الدعاء اليقين بأن الله قدير لا يُعجزه شيء، عليم لا يخفى عليه شيء، رحمن رحيم، حي قيوم، جواد كريم، محسن ذو المعروف أبداً، لا يُحدُّ جوده وكرمه، ولا ينتهي إحسانه ومعروفه، ولا تنفد خزائن بركاته. فلأجل هذه الصفات العظيمة وغيرها يُرجى سبحانه ويدعى، ويسأله من في السماوات والأرض حاجاتهم باختلاف لغاتهم.

ويتضمن الدعاء افتقار العبد وشدة اضطراره إلى ربه، وهذه المعاني العظيمة هي حقيقة العبادة.

فما أعظم شأن الدعاء، وما أجل آثاره، ولهذا جاء في فضل الدعاء ما رواه أبو داود والترمذي من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي  قال: ((الدعاء هو العبادة)) قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وعن أنس رضي الله عنه عن النبي  قال: ((الدعاء مخ العبادة)) رواه الترمذي، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  قال: ((ليس شيء أكرم على الله من الدعاء)) رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم.

ولما كان الدعاء هو العبادة فإنه لا يكون إلا لله تعالى وحده، فلا يدعى من دون الله مَلك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي، ولا جِنِّي، قال الله تعالى: وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً [الجن:18]، ومن دعا مخلوقاً من دون الله، نبياً أو مَلكاً أو ولياً أو جنياً أو ضريحاً ونحوه، فقد أشرك بالله تعالى في عبادته شركاً يخرجه من الإسلام، قال الله تعالى: وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا ءاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ [المؤمنون:117]، وقال تعالى: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ  وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ [يونس:106، 107]. وقال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ  قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [سبأ:40، 41].

عباد الله، المسلم في كل ساعة وفي كل وقت مضطر إلى الدعاء لحصول خير ينفعه في الدنيا والآخرة، ولدفع شر ومكروه يضره في الدنيا والآخرة، فمن وُفّق للدعاء فقد فتح الله له باب خير عظيم، فليلزمه، وليسأل المسلم ربه كل حاجة له، صغيرة أو كبيرة، كما قال النبي : ((ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى شِسْعَ نعله)).

ولو تفكر المسلم في كل نعمة وحاجة صغيرة أو كبيرة، لعلم يقيناً أنه لا قدرة له على إيجادها والانتفاع بها لولا أن الله أوجدها وساقها إليه بقدرته ومَنِّه وكرمه، ومن هوَّن شأن الدعاء فقد بخس نفسه حظها من خير عظيم، وأصابه من الشر بقدر ما زهد في هذا الباب.

واعلم -أيها المسلم- أن الإجابة مع الدعاء، سواء كانت عاجلة أو آجلة، قال عمر رضي الله عنه: (إني لا أحمل همَّ الإجابة، وإنما أحمل همّ الدعاء، فإذا أُلهمت الدعاء فالإجابة معه) ، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم))، فقال رجل من القوم: إذاً نُكثر، قال: ((الله أكثر)) رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح"، ورواه الحاكم من رواية أبي سعيد وزاد فيه: ((أو يدَّخر له من مثلها)) يعني في الآخرة.

أيها المسلم، كن دائماً ملازماً للدعاء، متعلقاً قلبك بالله تعالى، وارغب إلى الله عز وجل لقضاء حاجاتك كلها؛ فإنه على كل شيء قدير، إذا أراد شيئاً خلق أسبابه، أو أوجده بقدرته ومشيئته، وأشْرِك في دعائك الإسلام والمسلمين، أئمتهم وعامتهم، بأن يعزّ الله الإسلام وأهله في كل مكان، وأن يحفظ الإسلام وأهله في كل مكان، ويخذل أعداء الإسلام، لا سيما في هذا العصر الذي تعدّدت فيه مصائب المسلمين، وكثرت همومهم وغمومهم ومشاكلهم، ووصلوا إلى حالة لا يقدر أن ينجيهم إلا الله تعالى، اقتداءً برسول الله  حيث أمره الله تعالى بقوله: فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [محمد:19]، واقتداء بحملة العرش الذين قال الله فيهم: ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ [غافر:7]، وفي الحديث عن النبي : ((من لم يهتمَّ بأمر المسلمين فليس منهم)).

قال الله تعالى: ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ  وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ [الأعراف:55، 56].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين، وبقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، أحمده سبحانه وأشكره على فضله العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله القوي المتين، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله الأمين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى بامتثال أوامره وترك نواهيه، تفوزوا بجنات النعيم، وتُصلحوا دنياكم بشرع الله القويم.

عباد الله، إن دعاء المسلم بإخلاص وتوجه قلبٍ أحب الأعمال إلى الله عز وجل، والله يقول في كتابه الكريم: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]، وقال تعالى: فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ [غافر:14].

ويُستحب للمسلم أن يتخَيَّر جوامع الدعاء، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله  يستحب الجوامع من الدعاء، ويَدَعُ ما سوى ذلك. رواه أبو داود بإسناد جيد.

وليحرص المسلم على حفظ دعاء رسول الله  بقدر استطاعته، ومن أجمع الدعاء: رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ [البقرة:201].

وقد شرع عليه الصلاة والسلام لكل حال دعاء وذكراً، ويُستحب أن يقدم بين يدي دعائه عملاً صالحاً، ويثني على الله ببعض ما أثنى به على نفسه، ويصلي على نبيه محمد ؛ لأن الدعاء معلَّق بين السماء والأرض، حتى يصلّى عليه، فصلوات الله وسلامه عليه، ويتوسّل إلى الله بأسمائه الحسنى، وبالاسم الذي يناسب حاجته من أسماء الله الحسنى، كقول الله تعالى: وَقُل رَّبّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرحِمِينَ [المؤمنون:118]، وكقوله تبارك وتعالى: وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ [المائدة:114]. ويُستحب أن يتحيّن أوقات الإجابة مثل ثلث الليل الآخر، وبين الأذان والإقامة، وعند نزول الغيث، وأدبار الصلوات، وعند رؤية البيت، وفي آخر ساعة من الجمعة، وفي السجود يدعو بالمأثور عن النبي .

وعلى المسلم أن يطيِّب مطعمه، وأن يكون مكسبه حلالا، وأن ينفقه في الحلال، فإن أكل الطعام الحلال، ولبس الحلال، إن ذلك من أسباب إجابة الدعاء.

عباد الله، إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56]، وقد قال : ((من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً)).

فصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ...