بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة في المسجد النبوي بالمدينة النبوية

لفضيلة الشيخ : عبدالمحسن القاسم

بتاريخ : 23- 10-1423هـ

والتي تحدث فيها فضيلته عن : فضل الشكر

 

أنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وعلى أصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى، فتقوى الله نورٌ في القلب، وذخرٌ في المنقلَب.

أيها المسلمون، لقد أجزلَ الله على عباده من نعمه العظيمة، وأغدق عليهم من آلائه الجسيمة، يمينه تعالى ملأى لا تغيضها نفقة، سحَّاءَ الليل والنهار، يقسِم الأرزاقَ ويغدِق العطايا، ويرزق من يشاء بغير حساب، يبتلي عبادَه بالنعم كما يبتليهم بالمصائب، وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[الأنبياء:35]، والله منعمٌ بهذا كلِّه، وفتنةُ السراء أعظم من فتنة الضراء، وصاحبها يحتاج إلى صبر وشكر، والفقر والغنى مطيَّتا الابتلاء والافتتان، والصبر والشكر لازمان للعبد في أمر الربِّ ونهيه، وقضائه وقدره، والتقوى مبنيةٌ عليهما.

وقد قرن سبحانه الشكرَ بالإيمان به فقال: مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ[النساء:176]، وأخبر سبحانه أن الشكرَ هو الغاية من خلقه وأمره: وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأبْصَـٰرَ وَٱلأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[النحل:78]، وجعل سبحانه رضاه في شكره: وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ[الزمر:7]، والله خلق الليل والنهار للتفكر والشكر: وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً[الفرقان:62]، وانقسم عبادُه إلى شكور له وكفور به: إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:2]، وأخبر سبحانه أنه إنما يعبده من شكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته: وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[البقرة:172].

وقد أثنى الله على أوَّل رسولٍ بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال: ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا[الإسراء:2]، وأمر عبدَه موسى أن يتلقَّى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال عز وجل: يٰمُوسَىٰ إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِي وَبِكَلَـٰمِي فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ وَكُنْ مّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ[الأعراف:144]، وأثنى على خليله إبراهيم بشكر نعمه: إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ  شَاكِراً لأنْعُمِهِ[النحل:120، 121]، وأمر الله به داود فقال: ٱعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودَ شُكْراً[سبأ:12]، ودعا سليمان عليه السلام ربَّه أن يكون من الشاكرين: رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وٰلِدَىَّ[الأحقاف:15]، وأمر الله رسوله محمداً  بالشكر فقال: بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ[الزمر:66]، وأمر الله لقمانَ بالشكر فقال: وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ[لقمان:12]، وأوَّلُ وصية وصَّى بها ربُّنا الإنسانَ [هي الوصية] بالشكر له وللوالدين فقال: أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ[لقمان:14].

وبالشكر أمر الأنبياءُ أقوامَهم، فقال إبراهيم عليه السلام لقومه: فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ[العنكبوت:17]، والآيات والعبر والعظات لا يتَّعظ بها إلا الشاكر، قال سبحانه: كَذٰلِكَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ[الأعراف:58]. وأغدق علينا النعمَ لنثني عليه بها، قال جل وعلا: وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[الأنفال:26]، وهو وصية النبي  لأصحابه، فقد قال: ((يا معاذ، أني أحبُّك، فلا تدعنّ أن تقول دبرَ كلّ صلاة: اللهم أعنِّي على ذكرك وشُكرك وحسن عبادتك)). ودعاء البعد ربَّه أن يوافيَ نعمَ الله بالشكر من أفضل الأدعية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "تأمّلتُ أفضلَ الدعاء، فإذا هو: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".

وأهل الشكر هم المخصوصون بمنّتِه من بين عباده، وهم الذين لا يتزعزعون عند الفتن، وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ[آل عمران:144].

ولما عرف عدوُّ الله إبليس قدرَ مقام الشكر وأنه من أجلِّ العبادات وأعلاها جعل غايتَه السعيَ في قطع الناس عنه فقال: ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ[الأعراف:17].

ونبيُّنا محمد  أشكرُ الخلق لربّه، خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وربط على بطنه الحجرَ من الجوع، وغُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، ويقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، ويقول: ((أفلا أكون عبداً شكورا؟!)). وداود عليه السلام كان ينام نصفَ الليل ويقوم ثلثَه وينام سدسَه، ويصوم يوماً ويفطر يوماً، والله عز وجل يقول له: ٱعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودَ شُكْراً[سبأ:12].

والشكر أمنةٌ من العذاب، قال عز وجل: مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ[النساء:147]، ونجَّى الله لوطاً عليه السلام من العذاب بالشكر: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـٰصِباً إِلاَّ ءالَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ  نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ[القمر:34، 35].

ولما تنكَّر قومُ سبأ لنعم الله وجحدوها وقابلوها بالعصيان سلبها الله منهم، وأذاقهم ألواناً من العذاب، فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّـٰتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْء مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ  ذَلِكَ جَزَيْنَـٰهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجْزِى إِلاَّ ٱلْكَفُورَ[سبأ:16، 17]. وأصحاب الجنة في سورة القلم قابلوا نعمةَ الله بالنكران وحرمان المساكين، فطاف على ثمرهم طائف، فأصبحت زروعهم هباءً منثورا كالليل البهيم، يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: "عليكم بملازمة الشكر على النعم، فقلَّ نعمةٌ زالت عن قوم فعادت إليهم". والشاكرون لنعم الله قِلّة في الخلق، قال تعالى: وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ[سبأ:12].

وكلُّ نعمة لا تقرِّب من الله فهي نقمة، والشكر هو الحافظ للنعم الموجودة، والجالبُ للنعم المفقودة، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (النعمة موصولةٌ بالشكر، والشكر يتعلّق بالمزيد، ولا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر). والعبد إذا كانت له عند الله منزلة فحفظها وبقي عليها ثم شكر الله على ما أعطاه آتاه الله أشرفَ منها، وإذا ضيَّع الشكرَ استدرجه الله، يقول الحسن رحمه الله: "إن الله يمتِّع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذاباً". وإذا رأيت ربَّك يوالي عليك نعمَه وأنتَ تعصيه فاحذره، قال سبحانه: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ[القلم:44]، قال سفيان رحمه الله: "يُسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر".

ومن رُزق الشكرَ رُزق الزيادة، وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ[إبراهيم:7]، يقول أبو قلابة: "لا تضرّكم دنيًا شكرتموها". وقد ذمَّ سبحانه الكنودَ من عباده وهو الذي لا يشكر نعمه فقال سبحانه: إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ[العاديات:6].

أيها المسلمون، بشكر الله وطاعته تتفتَّح للعبد أبوابُ الدنيا والآخرة، قال عز وجل: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ[الأعراف:96]

وشُكر الله يكون بالقلب واللسان والجوارح.

فيكون بالقلب بنسبة النعم إلى بارئها، قال جل وعلا: وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ[النحل:53].

ويكون باللسان بالإكثار من الحمد لمُسديها، يقول عليه الصلاة والسلام: ((الحمد لله تملأ الميزان)) رواه مسلم، فالحمد رأسُ الشكر وأوَّله، وهو أول آية في كتاب الله المجيد: ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ[الفاتحة:1]، وقد أمر الله نبيَّه محمداً  أن يحدِّث بنعم الله فقال سبحانه: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ[الضحى:11].

والشكرُ بالجوارح يكون بالاستعانة بها على مرضاة الله، ومنع استخدامها في مساخطه وعصيانه، ولذا فشكرُ العين أن لا يبصرَ بها ما حرّم الله، ولا يطلق بصرَه على حرمات الله، وشكرُ اللسان أن لا يتحدَّث به إلا حقاً، ولا ينطقَ به إلا صدقاً، وشكرُ الأذنين أن لا يستمع بهما إلى غيبة وبهتان ومحرَّم.

وقد أمر الله بشكر الوالدين بقوله: أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ[لقمان:14]، ومن شكرهما برّهُما والإحسان إليهما والدعاءُ لهما، والتودّد والتلطف لرضاهما، وخفضُ جناح الذلّ لهما، ومن العصيان عقوقهما والتأفّفُ والتنكّر لأوامرهما، والتثاقل عن طاعتهما. وأسعدُ الناس من جعل النعمَ وسائلَ إلى الله والدار الآخرة، وأشقاهم من توّصل بنعمه إلى هواه ونيل ملذاته.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ[البقرة:243].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً مزيداً.

أما بعد: أيها المسلمون، ربُّنا متصفٌ بالشكر، وأحبُّ خلقه إليه من اتَّصف بصفة الشكر، كما أن أبغضَ خلقه إليه من عطّلها واتَّصف بصدّها، فهو سبحانه شكور يحبّ الشاكرين. ومِن شكر الله شكرُ من أسدى إليك معروفاً من خلقه، يقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناس)) رواه أحمد.

وإذا أسديتَ إلى أحدٍ معروفاً فلا تترقَّبْ منه شكرا، وابتغ الثوابَ من الله، وكن قنوعاً بما رزقك الله تكنْ أشكرَ الناس، وأكثرْ من حمد الله والثناء عليه، فتلك عبادةٌ من أجلِّ العبادات، يقول عليه الصلاة والسلام: ((الطاعمُ الشاكر مثل الصائم الصابر)) رواه البخاري.

ومن لم يشكرِ القليل لم يشكرِ الكثير، وكان أبو المغيرة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ قال: "أصبحنا مغرَقين بالنعم، عاجزين عن الشكر"، وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا[إبراهيم:34]، وما من الناس إلا مبتلىً بعافية ليُنظر كيف شكرُه، أو ببليةٍ ليُنظرَ كيف صبره، فعليكم -عباد الله- بالجمع بين الصبر والشكر مع التقوى تكونوا أعبدَ الناس.

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه فقال في محكم التنزيل: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً[الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم على خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون ...