لفضيلة الشيخ : صلاح البدير
بتاريخ : 16- 10-1423هـ
الحمد لله، الحمد لله العظيم في قدره، العزيز في قهره، العليم بحال العبد في سره وجهره، يسمع أنين المظلوم عند ضعف صبره، ويجود عليه بإعانته ونصره، أحمده على القدر خيره وشره، وأشكره على القضاء حلوه ومره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الآيات الباهرة، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، جاهد في الله حق جهاده طول عمره، وسائر دهره، صلى الله عليه وعلى سائر آله وأصحابه، ما جاد السحاب بقطره، وطل الربيع بزهره، وسلم تسليمًا كبيرًا.
أما بعد: فيا أيها المسلمون،
اتقوا الله فإن تقواه أفضلُ مكتسب، وطاعته أعلى نسب، ![]()
![]()
أيها المسلمون، المؤمن
مهما تفاقم الشرّ وتراقى الخطر والضرّ فإنه يعلم أن ما قُضِي كائن، وما قُدِّر
واجب، وما سُطِّر منتظَر، ومهما يشأِ الله يكن، وما يحكم به الله يحقّ، لا رافع
لما وضع، ولا واضع لما رفع، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وما شاء ربُّنا
صنع، فلا جزع ولا هلع، وإنما صبرٌ ومصابرة، وفأل بأنَّ لأهل الإسلام السلطة والانتصار
والفلج والإظفار، ولعدوّهم الذلّة والصغار والدمار والخسار، ![]()
![]()
أيها المسلمون، إن الأمة
المسلمة تواجه اليومَ خصاماً بعنف وتآمراً بقَحةٍ وحرباً بجبروت، يقودها قومٌ لئام،
أماطت عنهم اللثام الأحداثُ والوقائع والأيام، يجرّون الضغائن، ويحملون مسمومَ
الدفائن، ملؤوا الدنيا عدواناً، وأشعلوها نيرانا، وأنَّى يُحقِّق هؤلاء سلاماً
دائما وسكونا دائباً. أحداثٌ تُفتعَل، وأدوارٌ تُمثَّل وتُنتحَل، إفكٌ وافتراء،
واتِّهام وادِّعاء، وغطرسة وغرور، واستبداد وفجور، وجَور واشتطاط، وظلم واختباط،
وتلاحم بالظالمين واختلاط، أدَّى إلى تفجّر العنف وانعدام الأمن وانتشار الخوف
واختلال الأوضاع في كثير من الأصقاع والبقاع.
إن العالم باتت تحكمه
شريعةُ الغاب وسياسات التهديد والإرهاب ولغة التحدّي والإرعاب، مصالح ذاتية، ونظمٌ
أُحاديّة، وإدارة فرديّة، تتعامل مع الغير معاملةَ السيّد للمسود والقائد للمقود،
سياسةُ مصالح لا قيم، سياسة لا تحكم بالسويّة، ولا تعدل في قضيّة، ولا تتعامل إلا
بحيف وازدواجية، غيٌّ وبغي، وتسلّط وتمرّد، ورؤًى خاصَّة يقرّرها صاحبُ القوّة وفق
عقيدته ومصلحته، ومحاولاتُ إحداثِ خلخلة وضعضعة وانشقاقٍ وافتراق في صفوف الأمة
المسلمة؛ لتكونَ أمصاراً متنافرة وبلاداً متناثرة متناحرة.
إنها صورةٌ واضحة المعالم
جليّةُ الأبعاد للواقع المرّ الذي تأباه نفسُ كلّ أبيّ حرّ، وستظلّ المباركة
والتأييد التي يلقاها الإجرام الإسرائيلي والصلف الصهيوني وتهيئة الأجواء له
وإفساح المجال لارتكاب مزيدٍ من الهدم والتشريد والتقتيل شاهداً على الحقد الأعمى،
وأنَّه ليس عند القوم للعدل حظٌّ ولا معنى.
أيها المسلمون، لقد بلغ
السيل زُباه، والكيدُ مداه، والظلم منتهاه، والظلم لا يدوم ولا يطول، وسيَضمحلّ
ويزول، والدهر ذو صرفٍ يدور، وسيعلم الظالمون عاقبة الغرور. أين الذين التحفوا
بالأمن والدَّعَة، واستمتعوا بالثروة والسَّعة، من الأمم الظالمة الغابرة الظاهرة
القاهرة؟! لقد نزلت بهم الفواجع، وحلّت بهم الصواعق والقوارع، فهل تعي لهم حِسًّا،
أو توجَّسُ لهم رجسا، أو تُدسُّ لهم رزًّا، أو تسمَعُ لهم ركزاً؟! فعن أبي موسى
الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله
![]()
![]()
أيها المسلمون، مهما
بلغت قوّةُ الظلوم وضعفُ المظلوم فإنَّ الظالم مقهور مخذول، مصفّد مغلول، وأقربُ
الأشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم، يرفعها الحيّ القيوم فوق الغيوم،
يقول رسول الهدى
فسبحان من سمع أنينَ
المضطهدِ المهموم، وسمع نداءَ المكروب المغموم، فرفع للمظلوم مكاناً، ودمَغ الظالم
فعاد بعد العزّ مهاناً.
أيها الناس، إنه ليس
شيءٌ أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الظلم والعدوان، ولا يكون العمران
حيث يظهر الطغيان، وإن الظالمَ الجائر سيظلّ محاطاً بكلِّ مشاعر الكراهية والعداء
والحقد والبغضاء، لا يعيش في أمان، ولا ينعَم بسلام، حياتُه في قلق، وعيشه في
أخطار وأرق؛ لأنَّ الظلم جالبُ الإحن ومسبِّب المحن، والجَور مسلبةٌ للنعم مجلبة للنقم،
وقد قيل: الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش.
إن تحقيق العدل ونبذَ
الظلم والجور مدرأةٌ لغائلة كلِّ محذور، وضمانةٌ لدفع سائر الشرور من غير بذل مونة
واستمداد معونة.
أيها المسلمون، قد يُنعم
الله على الكافر نِعمَ نَفْع أو نعمَ دَفْعٍ أو نعَم رفْع، ولكنه إنعامٌ وإعطاء ما
هو إلا استدراج وإملاء، ![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
أيها المسلمون، إنَّ ما
أصاب المسلمين من التخلّف والتقهقر والضعف والتأخر ونزع المهابة والهوان والعدوان
إنما هو عاقبة الفسوق والعصيان، فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله
![]()
طمعٌ يهدي إلى طبع،
وطمَع فيما ليس فيه مطمع، شهواتٌ ومُتع، ودنيا مؤثَرة وهوًى متَّبع، أجيالٌ مردت
على العبث، مجتمعاتٌ فشت فيها قنواتُ الخبث، تلاعبٌ بالمرأة بكلِّ وقاحة وجرأة،
والربا صار كالمباح، لا حرج فيه ولا جناح، وأيدي الظلمة امتدّت إلى الفقراء والضعاف
بالتسلّط والإجحاف والقهر والإتلاف، فجباةُ الأموال بغيرِ حقِّها ظلمة، والمانعون
لحقوق الناس ظلمة، وآخذُو الملك من يد مالكه من غير عِوضٍ ولا سبب ظلمة، وباخسو
العمّال حقوقَهم ظلمة، والثلة إذا نام عنها راعيها عاث طُلْس الذئاب فيها. فعلى
كلِّ من آتاه الله رئاسةً تامة وزعامة عامة أن يقوم بالعدل والسلطان؛ لتنكفَّ بسطوته
الأيدي المتغالية، وتمتنع من خوفه النفوس العادية، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه قال: قال رسول الله
أيها المسلمون, وفي
الأمة من الانحراف العقديّ والفساد القلبيّ ما يوجب الخذلانَ والحرمان، ففي عالم
الأمة المسلمة أضرحةٌ تُعبَد، وقبورٌ تُحجّ وتُقصَد، ويذبح لها ويسجَد، ويُعفّر
عندها الوجه والخدّ، ويطلب منها العون المدّ، والغوث والنهد، أفعالٌ تناقض دينَ
محمد ![]()
وليعلمْ الداعيةُ إلى
الإسلام أن خيرَ ما أسال فيه مدادَه وأكثرَ فيه نصحه وإرشاده وأوجب ما أعدَّ لحمايته
آلتَه وعتادَه وقدح لأجله زِناده توحيدُ الله بالعبادة والقصد والإرادة.
أيها المسلمون، إننا
نعيش في قوّة وصحة وأمن، توجب الشكرَ لله ذي المنّ، وإنَّ من حقّ الله علينا وحقّ
أجيالنا وأوطاننا أن نكون أوفياءَ للإسلام أمناءَ على الإسلام، وأن نتطهّر من المذامّ،
وخبيث البثّ والإعلام، وأن نقومَ على أجيالنا أصدقَ قيام، بالتربية والتأديب،
والتقويم والتهذيب فلن تُصان حمى الأوطان بمثل طاعة الرحمن، هذا طريق الخروج من
الهوان، هذا سبيل النصر بان، هذا وقتُ التصحيح حان، فاستديموا بالطاعة النعم،
برغيد عيشها وطيب أمنها ونفيس زينتها، واسترشدوا بالعلماء الربانيين الذين هم طبّ
القلوب ومرايا المحاسن والعيوب، وهم أرفع الناس قدراً، وأسلمُهم فكراً، وأمكنُهم
نظراً، واحذروا دُعاةَ الانفتاح والتجديد الذي ما هو إلا ضربٌ من التبعية والمسايرة
والتقليد لحياة شرّ الخلق والعبيد، ولا تكونوا ممن صدف عن سواء الصراط، وحاد عن
سبيل الرشاد، وسلك سبيلَ الكبر والعناد، لا تكونوا أغفالاً من حسن الاعتبار وصحيح
الادّكار، فتزلّ بكم جائحة العقوبات، وتجوسَ خلالكم بوادر النقمات، وأصيخوا السمع
ـ أيها الجمع ـ لقول الله جل في علاه: ![]()
![]()
بارك الله لي ولكم في
القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر
الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي أكمل
لنا الدينَ وأتمّ علينا النعمة، وجعل أمتنا خير أمة، أحمده على نعمه الجمّة، وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تكون لمن اعتصم بها خيرَ عصمة، وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربّنا رسولاً منا، يتلو علينا آياته وزكينا ويعلمنا
الكتاب والحكمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.
أما بعد: فيا أيها المسلمون،
اتقوا الله فإن تقواه أقوى ظهير وأوفى نصير، كلُّ أمر عليه يسير، وكلّ شيء إليه
فقير، والأمور إليه تصير، وهو السميع البصير، لا يخفى عليه ما وقع على أهل الإسلام
من الظلم الكثير والجور الكبير، وإنَّ الله على نصرهم لقدير.
أيها المسلمون، الدهرُ
طعمان حلو ومرّ، والأيام طرفان عسرٌ ويُسر، وكلّ شدّة إلى رخاء، وكل غمرة فإلى
انجلاء، وإنَّ بعد الكدر صفوًا، وبعد المطر صحوًا، والشمس تغيب ثم تشرق، والروض
يذبل ثم يورق، ولله أيام تنتصر من الباغي وتنتقم من العاثي، ومن عرف الله في الرخاء
عرفه في الشدائد، وصرف عنه المكائد، وحفظه وهو نائم وقائم وصاحٍ وراقد، فتحلَّوا
بالطاعة، والتزموا الجماعة، وإياكم والتشاحن والتطاحن، واحذروا الجدل، وعليكم
بالجد والعمل، واعلموا أنَّ من فعل ما شاء لقي ما ساء، ومن أصلح فاسدَه أهلك حاسدَه،
وأحسن الجُنة لزومُ الكتاب والسنة على نهج سلف الأمة، ![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
عباد الله، إن الله
أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وثلَّث بكم أيها المؤمنون
من جنه وإنسه، فقال قولاً كريماً: ![]()
![]()
اللهم صل وسلم على عبدك
ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين...